الصفحة 381 من 1282

ونحو الآية قوله: « بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ » وقوله: « يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا » فمن عجيب أمرهم أنهم لا يؤمنون به ، وأعجب منه أنه إذا قرئ عليهم القرآن لا يخضعون له ولا يستكينون ، لأن العناد صدهم عن الإيمان ، ومنعهم من الإذعان ، واللّه أعلم بما تكنه صدورهم ، وسيجازيهم بشديد العذاب.

أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ثواب عند ربهم لا ينقطع. [1]

فلا أقسم بالشفق وحمرته ، ولا بالليل وظلمته ، ولا بالليل وما جمع من خلق كان منتشرا في النهار ، ثم أوى إليه فجمعه تحت جناحيه ، وما جمع من أمهات إلى أفراخها ومن سائمات إلى حظائرها ، ومن نجوم اجتمعت في السماء ، وبالجملة ففي النهار الحركة والانتقال وفي الليل المأوى والسكون ، وأقسم بالقمر إذا اتسق ، واجتمع وتكامل ، واستدار وأنار الكون بنوره الكامل ليلة البدر.

لا أقسم بهذه الأشياء: لتركبن طبقا عن طبق ، لظهوره ووضوحه ، فهو غير محتاج إلى قسم ، أو المعنى: لا أقسم بهذه على إثبات البعث فإنه أمر جليل الشأن عظيم الخطر ، وهذه الأشياء لا يخشى منها أذى ، ولا يخاف منها ضرر. أو: لا أقسم بهذه الأشياء لتعظيمها ، فإنها عظيمة في نفسها من غير قسم ، وأيا كان فهو أسلوب للقسم مستعمل في لسان العرب. وقد أقسم الحق بهذه الأشياء لفتا لأنظار الناس إليها ، وأنها أثر من آثار القدرة الإلهية ، على أن في صفاتها ما ينفى كونها آلهة تعبد.

أقسم لتركبن طبقا على طبق ، ولتكونن في حالة شبيهة بتلك الحال ومطابقة لها تماما وهي الحياة الثانية ، أو لتركبن أيها الناس حالا بعد حال ، وأمرا بعد أمر ثم يستقر بكم الأمر إلى الواحد الأحد فيجازى كلا على عمله.

ألا ترى أن القادر على تغيير الأجرام العلوية ، والأفلاك السماوية من حال إلى حال قادر على البعث وإحياء الإنسان بعد مماته ؟ فما لهم لا يؤمنون ؟ أى شيء ثبت لهم حتى كفروا باللّه وباليوم الآخر ؟ مع أن الشواهد كلها ناطقة على ذلك ، وأى شيء ثبت لهم حتى جعلهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون للّه شكرا ، ولا يسجدون له إعجازا ، بل الذين كفروا يكذبون بلا حجة ولا برهان ، واللّه أعلم بما يحفظونه في قلوبهم من كفر وحسد وبغضاء ، إذا كان الأمر كذلك فبشرهم بعذاب أليم ، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير مقطوع. واللّه أعلم. [2]

التفسير والبيان:

(1) - تفسير المراغي - (1 / 5440)

(2) - التفسير الواضح ، ج 3 ، ص: 846

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت