الصفحة 384 من 1282

قوله تعالى: «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » .وهكذا يتحول النبي مع هؤلاء المشركين المكذبين ، من منذر إلى مبشر ، ولكنه مبشّر بالعذاب الأليم لهم .. فهذا ما يبشرهم به ، على حين يبشر المؤمنين بجنات النعيم .. وفى التعبير بالبشرى عن بالعذاب الأليم بدلا من الإنذار به ـ إشارة إلى أنه لا شى ء لهؤلاء الضالين المكذبين يبشرون به في هذا اليوم ، وأنهم إذا بشروا بشى ء فليس إلا النار ، والعذاب الأليم .. وفى هذا تيئيس لهؤلاء الضالين من أي خير!! [1]

وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح في صورة من صور الكدح تقابلها صورة ذلك السعيد ، وهو ينقلب إلى أهله مسرورًا في حياة الآخرة المديدة ، الطليقة ، الجميلة ، السعيدة ، الهنيئة ، الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء.

ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة ، يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم ، وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير ، الذي يشملهم كذلك ، ويقدّر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال: { فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق . . لتركبن طبقًا عن طبق } . .

وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها ، لتوجيه القلب البشري إليها ، وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها . . لمحات ذات طابع خاص . طابع يجمع بين الخشوع الساكن ، والجلال المرهوب . وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة .

فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب . . وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة . ويحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسى صامت وشجى عميق . كما يحس برهبة الليل القادم ، ووحشة الظلام الزاحف . ويلفه في النهاية خشوع وخوف خفي وسكون!

{ والليل وما وسق } . . هو الليل وما جمع وما حمل . . بهذا التعميم ، وبهذا التجهيل ، وبهذا التهويل . والليل يجمع ويضم ويحمل الكثير . . ويذهب التأمل بعيدًا ، وهو يتقصى ما يجمعه الليل ويضمه ويحمله من أشياء وأحياء وأحداث ومشاعر ، وعوالم خافية ومضمرة ، ساربة في الأرض وغائرة في الضمير . . ثم يؤوب من هذه الرحلة المديدة ، ولم يبلغ من الصور ما يحتويه النص القرآني القصير: { والليل وما وسق } . . إنما يغمره من النص العميق العجيب ، رهبة ووجل ، وخشوع وسكون تتسق مع الشفق وما يضفيه من خشوع وخوف وسكون!

{ والقمر إذا اتسق } . . مشهد كذلك هادئ رائع ساحر . . وهو القمر في ليالي اكتماله . . وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع الموحي بالصمت الجليل ، والسياحة المديدة ، في

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1511

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت