فهرس الكتاب
نعم أنانى حديث الجنود فرعون ، وثمود! ويكون التعقيب على هذا الجواب أظهر من أن بدل عليه ، وهو: ألا ترى في هذا الحديث ما أخذ اللّه به أهل البغي والتعدي؟ وهل قومك أعتى عتوّا وأشد قوة من فرعون وجبروته ، وتمود وبطشهم؟
ويجوز أن يكون الاستفهام مرادا به بالنفي ، أي إنه لم يأتك حديث الجنود .. وإذن فسنقصه عليك فيما سينزل عليك من آياتنا بعد .. وفى هذا ما ببعث الشوق والتطلع إلى هذا الحديث العجيب ، وانتظاره في لهفة ، وترقب.
وفى وصف القوم بالجنود ، إشارة دالة إلى أنهم ذوو بأس وقوة ،كبأس أبطال الحرب وقوتهم ، وأنهم في حرب مع أولياء اللّه ، يلبسون لباس الحرب دائما.
قوله تعالى: «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ، وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » هو إضراب عن انتفاع المشركين بهذه العبر والمثلات ، التي يقصها اللّه سبحانه وتعالى من أخبار القرون الأولى ، وما أخذ به أهل الضلال والسفه والعناد .. فالذين كفروا « في تكذيب » أي هكذا شأنهم دائما ، هم في سلسلة لا تنقطع من التكذيب لكل ما يسمعون من آيات اللّه ، دون أن يصغوا إلى ما يسمعونه ، أو يعقلوه .. فالتكذيب بآيات اللّه وبرسل اللّه ، هو الظرف الذي يحتويهم في كل زمان ومكان ..
وقوله تعالى: « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » تهديد لهم بأن اللّه سبحانه وتعالى محيط بهم ، وهم في غفلة عن هذا ، وهم لهذا سيؤخذون دون أن يشعروا ، لأنهم غافلون عن علم اللّه ، وعن قدرته ، ذاهلون عن عقابه الراصد للمجرمين الضالين ..
وقوله تعالى: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » هو إضراب عن هذا الإضراب .. وذلك أن المشركين ، وإن لم ينتفعوا بما في القرآن ، ولا بشى ء من نوره الذي يملأ الآفاق .. فهو قرآن مجيد ، أي عالى القدر ، رفيع الشأن لا ينال منه هذا النباح ، ولا يصل إلى سمائه هذا العواء ، من المشركين الضالين .. أنه في لوح محفوظ عند اللّه ، وفى كتاب مكنون ، ولا يمسّه ، ولا يصافح نوره ، إلّا من طهرت أنفسهم من دنس الكفر ورجس الضلال .. [1]
وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مر في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيرًا شديدًا . فالبطش الشديد هو بطش الجبار . الذي له ملك السماوات والأرض . لا بطش الضعاف المهازيل الذين يتسلطون على رقعة من الأرض محدودة ، في رقعة من الزمان محدودة . .
(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1519