الصفحة 467 من 1282

ثم قال: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي إنك ستحفظ القرآن المنزل إليك ، ولا تنساه ، إلا ما شاء اللَّه أن تنساه ، فإن أراد أن ينسيك شيئا ، فعل. وقيل: المراد بالاستثناء ما يقع من النسخ ، أي لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء اللَّه رفعه أو نسخه ، مما نسخ تلاوته ، فلا عليك أن تتركه.

والمعنى الأول أصح قال قتادة: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسى شيئا إلا ما شاء اللَّه. قال أبو حيان: الظاهر أنه استثناء مقصود ، وكذلك قال الألوسي: والظاهر أن النسيان على حقيقته.

ثم أكد اللَّه تعالى الوعد بالإقراء وعدم النسيان إلا ما شاء اللَّه أن ينسيه لمصلحة ، فقال: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم ، لا يخفى عليه من ذلك شي ء. ومن الجهر: كل ما يفعله الإنسان أويقوله علانية ، وَما يَخْفى: كل ما يسرّه بينه وبين نفسه ، مما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى ، فالذي وعدك بأنه سيقرؤك ويحفّظك عالم بالجهر والسرّ.وهذا على الرأي بأن قوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يعني النسخ: يعد تعليلا للنسخ ، وإذا كان كذلك ، كان وضع الحكم ورفعه واقعا بحسب مصالح المكلفين.

ونظير الآية كثير ، مثل قوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ [الأنبياء 21/ 110] .

ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره ، أي توفيقه للأيسر في أحكام الدين والشريعة ، فقال: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله ، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا ، ونوفقك للطريقة اليسرى والشريعة السمحة في الدين والدنيا ، فلا نشرع لك إلا الأيسر ، ولا تختار لأمتك إلا الأسهل الذي لا يصعب على النفوس تحمله والقيام به.

ومضات:

{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } أي: نزِّه ربك عما يصفه به المشركون من الولد والشريك ونحوهما ، كقوله: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الصافات: 180 ] ، فالاسم صلة . وسِرُّ إيراده أن المنوَّه به إذا كان في غاية العظمة ، كثيرًا ما تضاف ألفاظ التفخيم إلى اسمه ، فيقال: سبح اسمه ومجد ذكره ، كما يقال: سلام على المجلس العالي . هذا ما ذكروه . وثمة وجه آخر وهو أن الحق تعالى إنما يعرف بأسمائه الحسنى ، لاستحالة اكتناه ذاته العلية ، فأقحم تنبيهًا على ذلك . ومما يؤيده ما ذكر من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة أنهم < كانوا إذا قرؤوا ذلك قالوا: سبحان ربي الأعلى > ، كما رواه ابن جرير وغيره .

وذهب بعضهم إلى أن المراد تنزيه اسم الله وتقديسه أن يسمى به شيء سواه ، كما كان يفعل المشركون من تسميتهم آلهتهم ، بعضها اللات وبعضها العزى ، حكاه ابن جرير ؛ فالإسناد على ظاهره ، وهذا ما اعتمده الإمام ابن حزم في"الفِصَل"حيث رد على من استدل بهذه الآية في أن الاسم عين المسمى ، ذهابًا إلى أن من الممتنع أن يأمر الله عز وجل بأن يسبح غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت