فهرس الكتاب
أوتي أفكاكًا كبيرة معدة للطحن ، بإعداد الطعام للمستعمرة . وهذا هو شاغلها الوحيد . وحين يأتي الخريف ، وتكون الحبوب كلها قد طحنت ، فإن » أعظم خير لأكبر عدد « يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام . وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرًا من النمل الطحان؛ فإن جنود النمل تقتل النمل الطاحن الموجود . ولعلها ترضي ضميرها الحشري بأن ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي ، إذ كانت له الفرصة الأولى في الإفادة من الغذاء أثناء طحنه! »
« وهناك أنواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير ( واختر منهما ما يحلو لك ) إلى زرع أعشاش للطعام فيما يمكن تسميته » بحدائق الأعشاش « . وتصيد أنواعًا معينة من الدود والأرق أو اليرق ( وهي حشرات صغيرة تسبب آفة الندوة العسلية ) فهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها! ومنها يأخذ النمل إفرازات معينة تشبه العسل ليكون طعامًا له » .
« والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها . وبعض النمل حين يصنع أعشاشه ، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب . وبينما يضع بعض عملة النمل الأطراف في مكانها ، تستخدم صغارها التي وهي في الدور اليرقي تقدر أن تغزل الحرير لحياكتها معًا! وربما حرم طفل النمل عمل شرنقة لنفسه ، ولكنه قد خدم الجماعة! »
« فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة ، أن تقوم بهذه العمليات المعقدة؟ »
« لا شك أن هناك خالقًا أرشدها إلى كل ذلك » .. انتهى . .
أجل . لا شك أن هناك خالقًا أرشدها ، وأرشد غيرها من الخلائق . كبيرها وصغيرها . إلى كل ذلك . . إنه { الأعلى الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى } . .
وهذه النماذج التي اقتطفناها من كلام ذلك العالم ليست سوى طرف صغير من الملاحظات التي سجلها البشر في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان . ووراءها حشود من مثلها كثيرة . . وهذه الحشود لا تزيد على أن تشير إلى جانب صغير من مدلول قوله تعالى: { الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى } . . في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل . ووراءه عالم الغيب الذي ترد لنا عنه لمحات فيما يحدثنا الله عنه؛ بالقدر الذي يطيقه تكويننا البشري الضعيف!
وبعد عرض هذا المدى المتطاول ، من صفحة الوجود الكبيرة ، وإطلاق التسبيح في جنباته ، تتجاوب به أرجاؤه البعيدة ، يكمل التسبيحة الكبرى بلمسة في حياة النبات لها إيحاؤها ولها مغزاها: { والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى } .
والمرعى كل نبات . وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله . فهو هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا . فالله خلق هذه الأرض وقدر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها ، أو يطير في جوها .والمرعى يخرج في أول أمره خضرًا ، ثم يذوي فإذا