فهرس الكتاب
إطار المشيئة الكبرى ، ويظل التطلع دائمًا إلى هذه المشيئة حتى فيما سلف فيه وعد منها . ويظل القلب معلقًا بمشيئة الله حيًا بهذا التعلق أبدًا . .
{ إنه يعلم الجهر وما يخفى } . . وكأن هذا تعليل لما مر في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء . . فكلها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى؛ ويطلع على الأمر من جوانبه جميعًا ، فيقرر فيه ما تقتضيه حكمته المستندة إلى علمه بأطراف الأمر جميعًا .
والبشرى الثانية الشاملة: { ونيسرك لليسرى } . .
بشرى لشخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبشرى لأمته من ورائه . وتقرير لطبيعة هذا الدين ، وحقيقة هذه الدعوة ، ودورها في حياة البشر ، وموضعها في نظام الوجود . . وإن هاتين الكلمتين: { ونيسرك لليسرى } ، لتشتملان على حقيقة من أضخم حقائق هذه العقيدة ، وحقائق هذا الوجود أيضًا . فهي تصل طبيعة هذا الرسول بطبيعة هذه العقيدة بطعبية هذا الوجود . الوجود الخارج من يد القدرة في يسر . السائر في طريقه بيسر . المتجه إلى غايته بيسر . فهي انطلاقة من نور؛ تشير إلى أبعاد وآماد وآفاق من الحقيقة ليس لها حدود . .
إن الذي ييسره الله لليسرى ليمضي في حياته كلها ميسرًا . يمضي مع هذا الوجود المتناسق التركيب والحركة والاتجاه . . إلى الله . . فلا يصطدم إلا مع المنحرفين عن خط هذا الوجود الكبير وهم لا وزن لهم ولا حساب حين يقاسون إلى هذا الوجود الكبير يمضي في حركة يسيرة لطيفة هينة لينة مع الوجود كله ومع الأحداث والأشياء والأشخاص ، ومع القدر الذي يصرف الأحداث والأشياء والأشخاص .
اليسر في يده . واليسر في لسانه . واليسر في خطوه . واليسر في عمله واليسر في تصوره . واليسر في تفكيره . واليسر في أخذه للأمور . واليسر في علاجه للأمور . اليسر مع نفسه واليسر مع غيره .
وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل أمره . . ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما روت عنه عائشة رضي الله عنها وكما قالت عنه: « كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خلا في بيته ألين الناس ، بسامًا ضحاكًا » وفي صحيح البخاري: « كانت الأمة تأخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت » !
وفي هديه - صلى الله عليه وسلم - في اللباس والطعام والفراش وغيرها ما يعبر عن اختيار اليسر وقلة التكليف ألبتة
جاء في زاد المعاد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية ، عن هديه - صلى الله عليه وسلم - في « ملابسه » : كانت له عمامة تُسمى: السحاب، كساها عليًا، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة. وكان يلبَس القلنسُوة بغير عمامة، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة. وكان إذا اعتم، أرخى عِمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في"صحيحه"عن عمرو بن حريث قال:"رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على المنبرِ"