الصفحة 551 من 1282

وَأَمَرَ الْمَلِكُ مَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ ، وَخَدَمِهِ بِالْجِهَازِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ، فَأَقَامُوا فِي جَهَازِهِمْ إِلَيْهَا عَشْرَ سِنِينَ ، فَسَارَ الْمَلِكُ بِمَنْ أَرَادَ ، وَخَلَفَ مِنْ قَوْمِهِ فِي عَدَنِ أَبْيَنَ ، وَالشُّجَرَاءُ كُثْرٌ مِمَّا سَارَ ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ وَسَارَ إِلَيْهَا لِيَسْكُنَهَا ، وَبَلَغَهَا إِلَّا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَدْخُلْ إِرَمَ ذَاتَ الْعِمَادِ ، وَلَا مَنْ كَانَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى السَّاعَةِ ، فَهَذِهِ صِفَةُ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسَيَدْخُلُهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَانِكَ هَذَا وَيَرَى مَا فِيهَا ، وَيُحَدِّثُ بِمَا فِيهَا ، وَلَا يُصَدَّقُ . قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ:"يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، هَلْ تَصِفُهُ ؟"قَالَ: نَعَمْ ، هُوَ رَجُلٌ أَحْمَرُ أَشْقَرُ قَصِيرٌ ، عَلَى حَاجِبِهِ خَالٌ ، وَعَلَى عُنُقِهِ خَالٌ ، يَخْرُجُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ فِي تِلْكَ الصَّحَارِي ، فَيَقَعُ عَلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ فَيَدْخُلُهَا وَيَحْمِلُ مِمَّا فِيهَا ، وَالرَّجُلُ جَالِسٌ عِنْدَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَالْتَفَتَ كَعْبٌ فَرَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ ، فَقَالَ: هَذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاسْأَلْهُ عَمَّا حَدَّثْتُكَ بِهِ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، هَذَا مِنْ خَدَمِي ، وَلَمْ يُبَالِ حَتَّى قَالَ: فَقَدْ دَخَلَهَا ، وَإِلَّا فَسَيَدْخُلُهَا ، وَسَيَدْخُلُهَا أَهْلُ هَذَا الدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ . فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ:"لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَبَا إِسْحَاقَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَقَدْ أُعْطِيتَ مِنْ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ". فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي التَّوْرَاةِ لِعَبْدِهِ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ ، تَفْسِيرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَشِدَّةٌ وَوَعِيدٌ ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ، وَشِدَّةٌ وَوَعِيدًا" [1] "

قال ابن خلدون: وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض ، وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زآل عمرانه متعاقبًا والأدلاء تقص طرقهُ من كل وجه . ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولا ذكرها أحد من الأخباريين ولا من الأمم ، ولو قالوا: إنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبهُ ، إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة ، وبعضهم يقول: إنها دمشق ، بناء على أن قوم عاد ملكوها . وقد انتهى الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة ، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر . مزاعم كلها أشبهُ بالخرافات . والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظه: { ذَاتِ الْعِمَادِ } أنها صفة { إِرَمَ } وحملوا العماد على الأساطين ؛ فتعين أن يكون بناء ، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير: عاد إرم على الإضافة من غير تنوين . ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات ، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام . وإن أريد بها الأساطين ، فلا بدع في

(1) - الْعَظَمَةُ لِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ (954 ) وفيه انقطاع وجهالة وهو من الإسرائليات الممجوجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت