الصفحة 555 من 1282

{ والليل إذا يسر } . . والليل هنا مخلوق حي ، يسري في الكون ، وكأنه ساهر يجول في الظلام! أو مسافر يختار السرى لرحلته البعيدة! يا لأناقة التعبير! ويا لأنس المشهد! ويا لجمال النغم! ويا للتناسق مع الفجر ، والليالي العشر . والشفع والوتر!

إنها ليست ألفاظًا وعبارات . إنما هي أنسام من أنسام الفجر ، وأنداء مشعشعة بالعطر! أم إنه النجاء الأليف للقلب؟ والهمس اللطيف للروح؟ واللمس الموحي للضمير؟

إنه الجمال . . الجمال الحبيب الهامس اللطيف . الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية الطليقة . لأنه الجمال الإبداعي ، المعبر في الوقت ذاته عن حقيقة .

ومن ثم يعقب عليه في النهاية: { هل في ذلك قسم لذي حجر } ؟ وهو سؤال للتقرير . إن في ذلك قسمًا لذي لب وعقل . إن في ذلك مقنعًا لمن له إدراك وفكر . ولكن صيغة الاستفهام مع إفادتها التقرير أرق حاشية . فهي تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق!

أما المقسم عليه بذلك القسم ، فقد طواه السياق ، ليفسره ما بعده ، فهو موضوع الطغيان والفساد ، وأخذ ربك لأهل الطغيان والفساد ، فهو حق واقع يقسم عليه بذلك القسم في تلميح يناسب لمسات السورة الخفيفة على وجه الإجمال: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ وفرعون ذى الأوتاد؟ . . الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب؟ إن ربك لبالمرصاد } .

وصيغة الاستفهام في مثل هذا السياق أشد إثارة لليقظة والالتفات . والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ابتداء . ثم هو لكل من تتأتى منه الرؤية أو التبصر في مصارع أولئك الأقوام ، وكلها مما كان المخاطبون بالقرآن أول مرة يعرفونه؛ ومما تشهد به الآثار والقصص الباقية في الأجيال المتعاقبة ، وإضافة الفعل إلى { ربك } فيها للمؤمن طمأنينة وأنس وراحة .

وبخاصة أولئك الذين كانوا في مكة يعانون طغيان الطغاة ، وعسف الجبارين من المشركين ، الواقفين للدعوة وأهلها بالمرصاد .

وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم . . مصرع: « عاد إرم » وهي عاد الأولى . وقيل: إنها من العرب العاربة أو البادية . وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال . في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن . وكانوا بدوًا ذوي خيام تقوم على عماد . وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش ، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: { التي لم يخلق مثلها في البلاد } في ذلك الأوان . .

{ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } . . وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام . وقد قطعت الصخر وشيدته قصورًا؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت