الصفحة 564 من 1282

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" [1]

فترك إكرام اليتيم: ترك برّه ، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث ، وأخذ ماله منه.

وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا أي وإنكم تأكلون الميراث أكلا شديدا ، وجمعا من أي جهة حصل ، من حلال أو حرام.

وتحبون المال حبّا كثيرا فاحشا ، والجمّ: الكثير ، قال بعضهم: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألّما والخلاصة: أنكم تؤثرون الدنيا على الآخرة ، واللَّه يحب السعي للآخرة ، وترك الإفراط والمغالاة والتمادي في حبّ الدنيا وملذاتها.

ومضات:

إن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثَّل بها مما أنعم الله عليها به من النعم ، وهم لاهون عن دعوة رُسُل الله ، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم ، مقتحمون المناكر التي نُهوا عنها ، بطرون بالنعمة ، معجَبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا ، باستخلاص العِبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك تَرفًا وطغيانًا وبطرًا ، وتنبيهُهم على خطاهم إذْ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهةٌ توهَّموا بها أن الله جعلهم محل كرامة ، فحسبوا أن إنذار الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة ، فتوهموا أنّ فعل الله بهم أدلّ على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه ، ونفوا أن يَكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده ، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا ، فكان هذا الوهَم مُسوِّلًا لهم التذكيب بما أنذروا به من وعيد ، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة ، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقَتْر الرزق . وقد تكرر في القرآن التعرض لإِبطال ذلك كقوله: ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (( المؤمنون: 55 ، 56 ) . وقد تضمن هذا الوهَم أصولًا انبنى عليها ، وهي: إنكار الجزاء في الآخرة ، وإنكار الحياة الثانية ، وتوهم دوام الأحوال .

ففاء التفريع مرتبطة بجملة: ( إن ربك لبالمرصاد (( الفجر: 14 ) بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلًا .

والمعنى: هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته .

(1) - صحيح مسلم (7660 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت