الصفحة 567 من 1282

ويُفوِّض ما أشكل عليه إلى علم الله . وليس مثلُ هذا المحكيّ عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية . وقد نجد في بعض العوامّ ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإِيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية .

لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال: ( من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحْيِينَّه حياة طيبة (( النحل: 97 ) . وقد يعجّل العقاب لمن يغضب عليه من عباده . وقد حكَى عن نوح قولَه لقومه: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين (( نوح: 10 12 ) وقال تعالى: ( وأَلَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقًا (( الجن: 16 ) . ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) والخلفاءِ على الأمم العظيمة القاهرة . وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه .

فالمفصل هنا أحوال الإِنسان الجاهِل فُصّلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبَّر عنهما بالظرفين في قوله: ( إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ( الخ وفي قوله: ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ( الخ . وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المُجمل ولكنه تمييز وفصْل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط .

وقد تقدم ذكر ( أمّا ) عند قوله تعالى: ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم الآية في سورة البقرة .

والابتلاء: الاختبار ويكون بالخير وبالضرّ لأن في كليهما اختبارًا لثبات النفس وخُلق الأناة والصبر قال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة (( الأنبياء: 35 ) وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضًا . قال تعالى: ( ليبلوني أأشكر أم أكفر (( النمل: 40 ) وقال: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة (( الأنبياء: 35 ) والأشهر أنه الإِختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين .

والمعنى: إذا جَعَلَ ربُّه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرًا لحاله في الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهَّم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا .

والإِكرام: قال الراغب: أن يُوصَل إلى الإِنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يُجعل ما يوصل إليه شيئًا كريمًا ، أي شريفًا قال تعالى: ( بل عباد مكرمون (( الأنبياء: 26 ) ، أي جعلهم كرامًا اه يريد أن الإِكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريمًا في صنفه فيصدق قوله تعالى: ( فأكرمه ( بأن يصيب الإِنسان ما هو نفع لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت