الصفحة 578 من 1282

بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين ، بل أنتم على العكس تأكلون الميراث أكلًا شرهًا جشعًا؛ وتحبون المال حبًا كثيرًا طاغيًا ، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام .

وقد كان الإسلام يواجه في مكة كما ذكرنا من قبل حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق ، تورث القلوب كزازة وقساوة . وكان ضعف اليتامى مغريًا بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث منهم في صور شتى؛ وبخاصة ما يتعلق بالميراث ( كما سبق بيانه في مواضع متعددة في الظلال ) كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام . وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان! حتى الآن!

وفي هذه الآيات فوق الكشف عن واقع نفوسهم ، تنديد بهذا الواقع ، وردع عنه ، يتمثل في تكرار كلمة { كلا } كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه ، وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه: { وتأكلون التراث أكلًا لما . وتحبون المال حبًا جما! } . . [1]

ما ترشد إليه الآياتُ

1-النظرية المادية لم تكن حديثة عهد إذ عرفها الماديون في مكة من مشركي قريش قبل أربعة عشر قرنا .

2-وجوب إكرام اليتامى والحض على إطعام الجياع من فقراء ومساكين .

3-وجوب اعطاء المواريث لمستحقيها ذكورا أو اناثا صغارًا أو كبارًا .

4-التنديد بحب المال الذي يحمل على منع الحقوق ، ويزن الأمور بميزانه قوة وضعفا .

5-يخطئ الإنسان في فهم حال الغنى والفقر ، فليس الغنى وبسط الرزق دليلا على الإكرام والتفضيل والاصطفاء ، كما أن الفقر ليس دليلا على الإهانة والإذلال.

فالكرامة عند اللَّه والهوان ليس بكثرة الحظ في الدنيا وقلته ، وإنما الكرامة عنده أن يكرم اللَّه العبد بطاعته وتوفيقه ، المؤدي إلى حظ الآخرة ، وإن وسّع عليه في الدنيا حمده وشكره.

واللَّه لا يريد من عبده إلا الطاعة والسعي للعاقبة الآخرة ، وأما الإنسان فلا يريد ذلك ، ولا يهمه إلا الدنيا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.

6-أكّد تعالى المعنى السابق بكلمة كَلَّا للرد على سوء فهم الإنسان ، وزجرا وردعا له عن اعتقاده وتصوره السابق ، فليس الأمر كما يظنّ ، بأن الغنى لفضله ، والفقر لهوانه ، وإنما الغنى والفقر من تقدير اللَّه وقضائه ، وعلى العبد أن يحمد اللَّه عزّ وجلّ على الفقر والغنى.

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3905)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت