يَعْقُوبَ ، تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ ؟ فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيًّا ، نُقِلَ إِلَيْنَا عَنْهُ أَخْبَارٌ بِهَا نُحَلِّلُ الدِّمَاءَ ، وَبِهَا نُحَرِّمُ ، وَبِهَا نُحَلِّلُ الْفُرُوجَ ، وَبِهَا نُحَرِّمُ ، وَبِهَا نُبِيحُ الْأَمْوَالَ وَبِهَا نُحَرِّمُ ، فَإِنْ صَحَّ ذَا صَحَّ ذَاكَ ، وَإِنْ بَطَلَ ذَا بَطَلَ ذَاكَ . قَالَ: فَأَمْسَكَ عَبْدُ اللَّهِ
وعن ِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ ، قال: جَمَعَنِي وَهَذَا الْمُبْتَدِعُ ـ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ ـ مَجْلِسُ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَسَأَلَنِي الْأَمِيرُ عَنْ أَخْبَارِ النُّزُولِ فَسَرَدْتُهَا ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ . فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ . قَالَ فَرَضِيَ عَبْدُ اللَّهِ كَلَامِي وَأَنْكَرَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ
وعن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قال: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ، وَعِنْدَهُ مَنْصُورُ بْنُ طَلْحَةَ ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَعْقُوبَ ، إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: تُؤْمِنُ بِهِ ؟ فَقَالَ طَاهِرٌ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا الشَّيْخِ ، مَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا ؟ قَالَ إِسْحَاقُ: فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُؤْمِنْ أَنَّ لَكَ رَبًّا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، لَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ تَسْأَلَنِيَ . قُلْتُ: فَقَدْ بَيَّنَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَنَّ النُّزُولَ عِنْدَهُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُهُ نُزُولًا بِلَا كَيْفٍ ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ فِيهِ الِانْتِقَالَ وَالزَّوَالَ
وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: سَأَلَنِي ابْنُ طَاهِرٍ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ـ يَعْنِي فِي النُّزُولِ ـ فَقُلْتُ لَهُ: النُّزُولُ بِلَا كَيْفٍ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ كَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ فِيهَا الْإِيمَانَ بِهَا ، وَإِجْرَاءَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَنَفْيَ الْكَيْفِيَّةِ عَنْهَا .
وعَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، قَالَا: امْضُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا جَاءَتْ
وقال الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ فِي التَّشْبِيهِ فَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفِيَّةٍ
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ ، كَيْفَ يَنْزِلُ ؟ فَقَالَ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: ( كدخدَائ كارخويش كن ) يَنْزِلُ كَمَا يَشَاءُ .
وقال مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ . فَذَكَرَ حِكَايَةً قَالَ فِيهَا: فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، كَيْفَ يَنْزِلُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ:"كدخاي كارخويش كن"يَنْزِلُ كَيْفَ يَشَاءُ"."
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَإِنَّمَا يَنْكِرُ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْحَدِيثِ مَنْ يَقِيسُ الْأُمُورَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنَ النُّزُولِ الَّذِي هُوَ نَزْلَةٌ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ ، وَانْتِقَالٌ مِنْ فَوْقٍ إِلَى تَحْتٍ ، وَهَذَا صِفَةُ الْأَجْسَامِ وَالْأَشْبَاحِ ، فَأَمَّا نُزُولُ مَنْ لَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ صِفَاتُ الْأَجْسَامِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي غَيْرُ مُتَوَهَّمَةٍ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِعِبَادِهِ ، وَعَطْفِهِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِجَابَتِهِ دُعَائِهِمْ"