الصفحة 610 من 1282

الكريم من هؤلاء المجرمين ، ويردّ إليه اعتباره من التوقير والتكريم في رحاب البلد الحرام. وعندئذ تعود للبلد حرمته!! وإنا لنذهب إلى أبعد من هذا ، فنقول إن رفع الحرمة عن البلد الحرام قد ظلّ معلقا هكذا إلى أن خرج منه النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ مهاجرا ثم عاد إليه فاتحا في السنة الثامنة من الهجرة ، وأنه قد أبيح له من هذا البلد يوم الفتح ، ما كانحراما ، فأمر صلوات اللّه وسلامه عليه بقتل بعض المشركين ، وهم متعلقون بأستار الكعبة ، يومئذ ، وهم ابن خطل ، وميّس بن صبابة ، وغير هم وفى هذا يقول الرسول الكريم عن هذا البلد يوم الفتح: « إن اللّه حرم مكة ، يوم خلق السماوات والأرض ، فهى حرام إلى أن تقوم الساعة ، فلم تحل لأحد قبلى ، ولا تحل لأحد من بعدي ، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار » وإنه ما إن يقرغ النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من حساب هؤلاء المتاكيد الذين أمر بقتلهم في المسجد الحرام ، بالبلد الحرام ، حتى تعود للبلد الحرام حرمته ويطّهر من الشرك والرجس ، ومن الأصنام وعبّاد الأصنام.

هذا ، ولا يفهم مما قلناه: من أن البلد الحرام ، قد رفعت عنه حرمته منذ أحل المشركون من النبي ما أحلّوا ـ لا يفهم من هذا ، أن ذلك بالذي ينقص من قدر هذا البلد ، أو يجور على شىء من مكانته ، وعلو مقامه .. فهو هو على ما شرفه اللّه به ، ورفع قدره ، ولكن رفع الحرمة عن هذا البلد ، هو عقاب لهؤلاء المشركين الذين آواهم هذا البلد ، وجعله حرما لهم .. فلما استباحوا حرمته ، باستباحة حرمة النبي ، عرّاهم اللّه من هذه الخلية الكريمة التي خلعها عليهم البلد الحرام ..! ولهذا أقسم اللّه سبحانه بهذا البلد الذي أبيحت حرمته من المشركين ، ووصفه بالبلد الأمين في قوله تعالى: « وَالتِّينِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَطُورِ سِينِينَ ، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ » .

قوله تعالى: « وَوالِدٍ وَما وَلَدَ » ـ معطوف على قوله تعالى: « لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ » ..

والمراد بالوالد وما ولد ـ واللّه أعلم ـ هو هذا التوالد الذي يقع بين الناس ..

فكل والد ، هو مولود ، وكل مولود ، سيكون والدا ، وبهذا ، يتصل النسل ، وتكثرا المخلوقات ، وتعمر الأرض ..

وفى عملية التوالد ، تتجلى قدرة الخالق جل وعلا ، وعلى مسرح هذه العملية مراد فسيح للدراسة ، والتأمل ، والبحث ، وجامعة علم غرير للعلماء والدارسين ، ومعلم من معالم الهدى واليقين للمؤمنين والمتوسمين ..

وفى نفس القسم بالوالد ، وما ولد (و هو الإنسان) ـ إشارة إلى أن الإنسان الذي كرمه اللّه سبحانه وتعالى ، ورفع قدره على كثير من المخلوقات ، كما رفع قدر هذا البلد الأمين على سائر البلدان ـ هذا الإنسان ، قد خلع هذا الثوب الكريم الذي ألبسه اللّه إياه ، وتخّلى عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت