الصفحة 637 من 1282

أقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويستر ضوءها عنا فالنهار يظهرها ، والليل يسترها ، فسبحان من خلق هذا ، وإذا كانت الشمس يجليها النهار ويسترها الليل هل يعقل أن تعبد وتكون إلها ؟ ! وأقسم بالسماء وعوالمها وقد بناها اللّه وأحكم رباطها ، وقوى جاذبيتها فلا ترى فيها خللا ولا عوجا لأنها صنعة الحكيم القادر. وأقسم بالأرض وما طحاها ، أى: بسطها في نظر العين ووسعها ليعيش عليها الخلق ، وأقسم بالنفس والذي سواها وأحكم أمرها ومنحها القوى والغرائز التي تستكمل بها الحياة ، فترتب على ذلك أن خلق لها عقلا يميز بين الخير والشر وذلك من تمام التسوية ، وأقدرها على فعل المعصية التي تهلكها والخير الذي ينجيها ويقيها من السوء ، قد أفلح من زكاها ونماها وأعلاها. وقد خاب وخسر من دساها حتى جعلها في عداد نفوس الحيوانات. فإن الإنسان يرتفع عن الحيوان بتحكم العقل والسمو بالنفس عن مزالق الشهوات ، أما إذا انحط إلى المعاصي وحكم الشهوة في نفسه كان هو والحيوان سواء. ويصدق عليه: أنه دسى نفسه وأنقص مرتبتها وجعلها في عداد نفوس الحيوانات التي تحكمها شهوتها لا عقلها. [1]

التفسير والبيان:

أقسم اللَّه تعالى في مطلع هذه السورة بسبعة أشياء ، فقال:

1-2- وَالشَّمْسِ وَضُحاها ، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها أي أقسم بالشمس المضيئة نفسها ، سواء غابت أم طلعت لأنها شيء عظيم أبدعها اللَّه ، وأقسم بضوئها وضحاها وهو وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تم ضوؤها لأنه مبعث حياة الأحياء.

وأقسم بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها ، وبخاصة في الليالي البيض: وهي الليالي الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة وقت امتلائه وصيرورته بدرا بعد غروب الشمس إلى الفجر. وهذا قسم بالضوء وقت الليل كله.

3-4- وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي وأقسم بالنهار إذا جلّى الشمس وكشفها وأظهر تمامها ، ففي اكتمال النهار كمال وضوح الشمس ، وأقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها بظلمته ، فيزيل الضوء وتغيب الشمس ، وتظلم الدنيا في نصف الكرة الأرضية ، ثم تطلع في النصف الآخر.

وفي هذا التبدل والتغير رد على المشركين الذين يؤلهون الكواكب ، والثنوية الذين يقولون بأن للعالم إلهين اثنين: النور والظلمة لأن الإله لا يغيب ولا يتبدل حاله.

وبعد التنويه بعظم هذه الأشياء الكونية ، ذكر اللَّه تعالى صفات حدوثها ، فقال:

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 868)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت