الصفحة 642 من 1282

وننظر في أجزاء هذه الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية للإنسان من داخل نفسه كما تحدثت عنها آيات الكتاب الكريم ..

« وَالشَّمْسِ وَضُحاها » ..الواو هنا للقسم ، وما بعدها من واوات هى حرف عطف ، تعطف هذه الأقسام بعضها على بعض ..هكذا يكون الإنسان حين مولده .. إنه أشبه بالشمس في إشراقه ووضاءته ..

إنه الإنسان في أحسن تقويم ، كما خلقه الخالق جل وعلا ، قبل أن تنعقد في سمائه سحب الضلالات ، وتهبّ عليه أعاصير الحياة محملة بالغثاء والتراب.

«وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها .. » هو الإنسان الذي خيمت عليه موروثات الآباء والأجداد في بيئة الكفر والضلال ، فلعبت بعقله ، وحجبت شمس فكره ، ثم بقي معه بعد ذلك شىء من شعاع العقل ، يجده مندسّا في ضميره ، مختزنا في فطرته .. فيقف في مفترق الطريق بين الهدى والضلال ، بين أن يرجع إلى عقله ، ويحتكم إلى رأيه ، أو ينساق مع هواه ، ويتّبع ما كان عليه آباؤه « وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها » .. فإذا غلب الرأى على الهوى ، وأخذ الإنسان طريق الحق ، عاد إلى العقل سلطانه ، وتجلت في الإنسان آيات شمسة ، فأضاءت كل شىء حوله ..

« وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها » ..وأما إذا غلب الهوى على الرأى ، وأخذ الإنسان طريق الباطل ، فقد غربت شمس العقل ، وعميت بصيرة الإنسان ، واشتمل عليه ليل دامس ، لا نجم في سمائه ولا قمر ..

« وَالسَّماءِ وَما بَناها » والإنسان الذي أمسك بعقله ، واستجاب لسلطانه ، هو ـ كما قلنا ـ إلى عالم السماء أقرب منه إلى عالم الأرض .. إنه الإنسان الذي خلقه اللّه في أحسن تقويم ..

« وَالْأَرْضِ وَما طَحاها » هو الإنسان الذي زهد في عقله ، وأسلم زمامه لهواه ، فكان بعضا من هذه الأرض ..

إنه الإنسان الذي ردّه اللّه أسفل سافلين ..

« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » هى النفس الإنسانية على إطلاقها .. إنها مستعدة الهدى والضلال ، فاردة قلاعها إلى جهتى الخير والشر .. هكذا صاغها الخالق جل وعلا ، من النور والظلام ، من نفحات السماء ، ومن تراب الأرض. « فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » أي آتاها اللّه سبحانه وتعالى القدرة على الاتجاه نحو اليمين أو الشمال ، نحو الخير أو الشر ، نحو الإيمان أو الكفر .. هكذا يرى الإنسان القدرة من نفسه على التحرك في هذين الاتجاهين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت