الصفحة 652 من 1282

تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ » (62: هود) وقد توعدهم نبيهم بالعذاب ، وأنذرهم به ، ووضع بين أيديهم آية من آيات اللّه ، هى الناقة ، وجعل وقوع العذاب الذي أنذروا به رهنا بأن يتعرضوا لتلك الناقة بسوء: « وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ، فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » (64 ـ 65 هود) وقوله تعالى: « بطغواها » أي بسيب طغواها ، أي بطغيانها ، ومجاوزتها الحد في العدوان على حرمات اللّه ـ كان تكذيبها برسول اللّه وبآيات اللّه ..

وقوله تعالى: « إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها » أي ولقد بلغت ثمود غاية الطغيان والعدوان ، حين « انبعث أشقاها » أي اندفع هذا الشقي من أبنائها في جنون صارخ ، نحو الناقة ، يريد عقرها ، فلم يقف في طريقه أحد ، ولم ينصح له ناصح ، بل تركوه يمضى إلى حيث سوّلت له نفسه ، عقر الناقة ، فعقرها ، فعمهم البلاء ، جميعا ، وكان صاحبهم هذا أشقى هؤلاء الأشقياء الذين تركوه ، ولم يأخذوا على يده ..

قوله تعالى: « فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها » أي حين رأى صالح ما يريد هذا الشقي بالناقة من سوء ، حذّر القوم من أن يرتكبوا هذه الحماقة المهلكة .. فقال لهم: « ناقة اللّه » أي احذروا ناقة اللّه ، وإياكم أن تمسوها بسوء ، أو تعرضوا لها يوم شربها ، وأن تمنعوها السّقيا في يومها المرسوم لها .. وقوله تعالى: «فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها » ..

أي أنهم لم يستمعوا نصح صالح لهم ، ولم يصدقوا ما أنذرهم به ، ولم يأخذوا على يد هذا الشقي ، بل تركوه حتى عقر الناقة! وقوله تعالى: « فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ » أي أخذهم اللّه جميعا بالعذاب ، فلم يبق منهم باقية بسبب هذا الجرم الغليظ الذي كان منهم ..

والدمدمة: الإهلاك لجماعى ، الذي لا يبقى ولا يذر ..

وقوله تعالى: « فسواها » أي أطبق عليهم الأرض ، فلم يبق لهم ولا لديارهم أثر عليها ، بل سويت الدور بالأرض ، كأن لم يكن عليها شىء ..والضمير وهو « ها » في قوله تعالى « فسواها » يعود إلى الأرض ، التي يشير إليها قوله تعالى: « فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ » لأن الدمدمة ، أي التسوية مما يفعل بالأرض ، لا بالناس.

وقوله تعالى: « وَلا يَخافُ عُقْباها » ..أي أن اللّه سبحانه فعل بهم ما فعل ، واقتلعهم من الأرض اقتلاعا ، دون أن يحول بينه وبين ما فعل بهم حائل ، أو يحاسبه محاسب .. إنه فعل ذلك بعدله وقوته ، وسلطانه ، الذي لا معقب عليه ..

وذكر الخوف هنا تمثيل ، يراد منه الإشارة إلى هذا التدمير الشامل ، المتمكن ، فإن الذي يخاف عاقبة أمر لا تتسلط عليه يده تسلطا كاملا ، بل يحول بينه وبين تصرفه المطلق فيه ، خوف الحساب والجزاء ، ممن يحاسبه ويجازيه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت