الصفحة 666 من 1282

قال الإمام: وإنما أقسم بذاته بهذا العنوان ، لما فيه من الإشعار بصفة العلم المحيط بدقائق المادة وما فيها ، والإشارة إلى الإبداع في الصنع ؛ إذ لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى ، في الحيوان ، يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها بما تفعل ، كما يزعم بعض الجاحدين ، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسبة إلى كون الذكر أو كون الأنثى ، فتكوين الولد من عناصر واحدة تارةً ذكرًا وتارةً أنثى ، دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل ، محكم فيما يضع ويصنع . انتهى .

قال الإمام: الخطة العسرى هي الخطة التي يحط فيها الْإِنْسَاْن من نفسه ، ويغض من حقها وينزل بها إلى حضيض البهيمية ، ويغمسها في أوحال الخطيئة . وهي أعسر الخطتين على الْإِنْسَاْن ، لأنه لا يجد معينًا عليها ، لا من فطرته ولا من الناس . [1]

قوله تعالى: « وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى » قسم بالليل حين يغشى ظلامه الكائنات ، ويغطّى سواده وجه الأرض ..

وبدء السورة بهذا القسم ـ كما قلنا ـ هو أشبه براية سوداء تحوّم على مواطن ثمود ، التي دمدم اللّه عليها ، كما تحوم الغربان على الرمم .. ثم إنه من جهة أخرى ، يمثل الجانب الأعظم من جانبى الإنسانية ، جانبى الكفر والإيمان ، والضلال ، والهدى ، والظلام والنور .. فأغلب الناس على ضلال ، وقليل منهم المهتدون ، كما يقول سبحانه: « وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ » (103: يوسف) وفى التعبير بفعل المستقبل « يغشى » عن ظلام الليل ـ إشارة إلى أن الظلام عارض دخيل ، يعرض للنور الذي هو أصل الوجود ، كما يعرض الضلال للفطرة الإنسانية التي خلقها اللّه تعالى صافية لا شية فيها.

وقوله تعالى: « وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى » معطوف على قوله تعالى: « وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى » .. وهو قسم بالنهار إذا ظهر ، وتجلّى على الوجود ضوءه ..وفى تقديم الليل على النهار ، إشارة إلى هذا الظلام الذي كان منعقدا في أفق الحياة الإنسانية حين كانت ثمود تتحرك بطغيانها على الأرض ، فلما دمدم اللّه عليهم الأرض ، ورمى في أحشائها بهذا الظلام ـ عاد إلى الحياة صفاؤها ، وطلع نهارها!!

وقوله تعالى: « وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » : معطوف على قوله تعالى: « وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى » و « ما » هنا مصدرية .. أي وخلق الذكر والأنثى ، وما أودع الخالق في كلّ منهما من آيات علمه ، وحكمته ، ورحمته ..

(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 238)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت