الصفحة 679 من 1282

الآيات السابقة لها وأسلوب آيات السورة وتماسكها يجعلنا نرجح نزولها جملة واحدة وكونها بسبيل عرض عام للدعوة وأهدافها. وهذا لا ينفي رواية إنفاق أبي بكر رضي اللّه عنه وإنقاذه الأرقاء المعذبين من المؤمنين.

وقد رأينا ابن كثير يقول بعد ذكر رواية نزولها في حق أبي بكر: إنه ولا شك داخل فيها بسبب كثرة ما أنفقه ولكن لفظها لفظ العموم. والسورة من أبكر ما نزل كما قلنا. وقد نزلت فيما نعتقد قبل أن ينشب حجاج ونضال بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه الأولين وبين الكفار. ومن المحتمل أن يكون أبو بكر فعل ما فعل بتأثير ما احتوته من حث وتنويه وأن يكون أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد رأوا في فعله مطابقة تامة للآيات فنوهوا به في مناسبتها ، فكان هذا أصل الرواية.

ولقد استعظم مفسرو الشيعة ما روي من أن الآيات [17 - 21] في حق أبي بكر رضي اللّه عنه فنفوا ذلك وقالوا إنها مع الآيات [5 - 7] في حق علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، والهوى الحزبي بارز على هذا القول وهذا مثال آخر من أمثلة كثيرة سوف نوردها في مناسباتها [1] .

هذا ، ويلحظ شيء من التوافق اللفظي بين آيات هذه السورة وآيات السورة السابقة كما يلحظ توافق أسلوبي وهدفي أيضا. وهذا وذلك يلهمان صحة ترتيب تتابعهما في النزول ووحدة ظروف نزولهما وكون هذه كتلك من أولى السور نزولا ومما كان يعنيه لفظ القرآن في بدء الأمر مثلها. [2]

وقوله تعالى: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى » أي إن علينا أن نبين للإنسان طريق الهدى ، ونكشف له عنه ، بما أودعنا فيه من عقل ، وما بعثنا إليه من رسل ، وما أنزلنا من كتب .. فهذه كلها أنوار كاشفة تكشف للإنسان عن وجه الحق والخير ، وعن وجوه الضلال والشر ..

ثم إن للإنسان أن يختار الطريق الذي يسلكه ..

فالهدى ، غير الهداية .. ولهذا جاء النظم القرآنى: « إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى » ولو جاء هكذا: « إن علينا للهدآية » لكان على اللّه أن يهدى الناس جميعا ، وأن يكون ذلك على سبيل القهر والإلزام ، وهذا مالم يقع في حكمة اللّه ، ولم يكن من تدبيره سبحانه وتعالى .. بل جعل اللّه للإنسان كسبا يكسبه بإرادته ، وعملا بعمله باختياره ، حتى يحقق وجوده كإنسان ، ويثبت ذاتيته كخليفة اللّه على الأرض .. وبهذا يستأهل الثواب والعقاب! ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » (13: السجدة) .. وهذا لا يتعارض مع ماللّه سبحانه من مشيئة مطلقة غالبة .. ولكنّ مشيئة اللّه تدور في فلكها مشيئة الإنسان ، التي بها يقضى في أموره ،

(1) - التفسير والمفسرون للذهبي ج 2 ص 224.

(2) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 529)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت