واللمسة الثانية هي التقرير الجازم لحقيقة السيطرة التي تحيط بالناس ، فلا يجدون من دونها موئلًا: { وإن لنا للآخرة والأولى } .. فأين يذهب من يريد أن يذهب عن الله بعيدًا؟!
وتفريعًا على أن الله كتب على نفسه بيان الهدى للعباد ، وأن له الآخرة والأولى داري الجزاء والعمل . تفريعًا على هذا يذكرهم أنه أنذرهم وحذرهم وبين لهم: { فأنذرتكم نارًا تلظى } . . وتتسعر . . هذه النار المتسعرة { لا يصلاها إلا الأشقى } . . أشقى العباد جميعًا . وهل بعد الصلي في النار شقوة؟ ثم يبين من هو الأشقى . إنه: { الذي كذب وتولى } . . كذب بالدعوة وتولى عنها . تولى عن الهدى وعن دعوة ربه له ليهديه كما وعد كل من يأتي إليه راغبًا .
{ وسيجنبها الأتقى } . . وهو الأسعد في مقابل الأشقى . . ثم يبين من هو الأتقى: { الذي يؤتي ماله يتزكى } . . الذي ينفق ماله ليتطهر بإنفاقه ، لا ليرائي به ويستعلي . ينفقه تطوعًا لا ردًا لجميل أحد ، ولا طلبًا لشكران أحد ، وإنما ابتغاء وجه ربه خالصًا . . ربه الأعلى . .
{ وما لأحد عنده من نعمة تجزى . إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } . .ثم ماذا؟ ماذا ينتظر هذا الأتقى ، الذي يؤتي ماله تطهرًا ، وابتغاء وجه ربه الأعلى؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب . ومفاجئ . وعلى غير المألوف .
{ ولسوف يرضى } .إنه الرضى ينسكب في قلب هذا الأتقى . إنه الرضى يغمر روحه . إنه الرضى يفيض على جوارحه . إنه الرضى يشيع في كيانه . إنه الرضى يندي حياته . .
ويا له من جزاء! ويا لها من نعمة كبرى!
{ ولسوف يرضى } . . يرضى بدينه . ويرضى بربه . ويرضى بقدره . ويرضى بنصيبه . ويرضى بما يجد من سراء وضراء . ومن غنى وفقر . ومن يسر وعسر . ومن رخاء وشدة . يرضى فلا يقلق ولا يضيق ولا يستعجل ولا يستثقل العبء ، ولا يستبعد الغاية . . إن هذا الرضى جزاء جزاء أكبر من كل جزاء جزاء يستحقه من يبذل له نفسه وماله من يعطي ليتزكى . ومن يبذل ابتغاء وجه ربه الأعلى .
إنه جزاء لا يمنحه إلا الله . وهو يسكبه في القلوب التي تخلص له ، فلا ترى سواه أحدًا .
{ ولسوف يرضى } . .يرضى وقد بذل الثمن . وقد أعطى ما أعطى . .إنها مفاجأة في موضعها هذا . ولكنها المفاجأة المرتقبة لمن يبلغ ما بلغه الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ، وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . . { ولسوف يرضى } [1] . .
ما ترشد إليه الآياتُ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3923)