الصفحة 721 من 1282

وأى مكانة أرفع من أن يكون له في كل ركن في الأرض أتباع وأنصار يدينون للنبي بالطاعة والولاء ؟

ألم تر إلى الصحابة وهم يتسابقون إلى مجلسه والتمتع بحلو حديثه ، والاستشفاء بمخالفاته ؟ تلك بعض نعمه على رسوله ، واللّه أعلم بغيرها.

نعم ما قد شرح اللّه صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع له ذكره ليس في الأرض فقط ، بل عند سدرة المنتهى ، عند جنة المأوى ، وكان هذا كله بعد أن لحق بالنبي ما لحق من أذى قومه وعنتهم ، حتى ضاق صدره ، ولا عجب في ذلك ، فإن مع العسر يسرا: وانظر إلى قوله: مع العسر ، ثم إلى قوله: يسرا ، أى: بالتنكير ، وكما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لن يغلب عسر يسرين ،أما العسر الذي كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة فهو الفقر وقلة الصديق ، وقوة العدو وشدة مقاومته ، وقد جاءهم اليسر فكثر المال والصديق ، وضعف قوة العدو ، وأما قوة المؤمنين الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، يحبون إخوانهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، إن قتلوا فهم الشهداء ، وإن عاشوا فهم السعداء ، فقد كانت - ولا تزال - مضرب الأمثال.

وهل كل عسر يعقبه يسر كما هو ظاهر في القرآن ؟ الظاهر - واللّه أعلم - أنه كذلك متى سار صاحب العسر على سنن اللّه الكونية ، فتذرع بالصبر ، واستعد للمقاومة وصابر نفسه وصبر على المكروه ، وعمل على التخلص منه ، عند ذلك يرزق اليسر ، بأى شكل وعلى أى وجه ، أما إذا حقت كلمة اللّه فإن صاحب العسر يتخبط في سيره ، فينطبق عليه قوله تعالى: كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ والأمر كله أولا وأخيرا للّه ، والمشاهد أن مع العسر يسرا ، ولكن اليسر يختلف تبعا لحكم يعلمها اللّه ، وانظر إلى التربية القرآنية ، وإلى النصيحة الإلهية للحبيب المصطفى ، وكذلك كل فرد يريد أن يهتدى بنور القرآن. فإذا فرغت من أى عمل خير فانصب في غيره واعمل على تحقيقه بتوفيق اللّه ، وإلى اللّه وحده فارغب ، وعليه وحده فتوكل ، فإنه نعم المولى ، ونعم النصير. [1]

التفسير والبيان:

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ أي قد شرحنا لك صدرك لقبول النبوة ، وتحمل أعبائها ، وحفظ الوحي. قال الرازي: وقد استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. والأولى أن يقال كما بينا: الاستفهام تقريري ، يراد به إثبات الشرح.

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 876)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت