الصفحة 724 من 1282

زَمْزَمَ ، ثُمَّ لَأَمَهُ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ مُنْتَقِعَ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: قَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - .""

وفي رواية عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ ، فَأَخَذَهُ ، فَصَرَعَهُ ، فَشَقَّ قَلْبَهُ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً ، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ، فَجَاءَهُ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، فَاسْتَقْبَلُوهُ مُنْتَقِعَ اللَّوْنِ.قَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - . [1]

والخلاصة من حديث شق الصدر: أن جبريل عليه السلام أتى محمدا - صلى الله عليه وسلم - في صغره ، وشق صدره ، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ، ثم ملأه علما وإيمانا ، ووضعه في صدره.

وقد طعن بعضهم في هذه الرواية لأن هذه الواقعة حدثت في حال الصغر ،وذلك من المعجزات ، فلا يجوز أن تتقدم نبوته ، ولأن تأثير الغسل في إزالة أوساخ الأجسام ، والمعاصي ليست بأجسام ، فلا يكون للغسل فيها أثر ، ولأنه لا يصح أن يملأ القلب علما ، بل اللَّه تعالى يخلق فيه العلوم.

وأجاب الإمام فخر الدين الرازي عن ذلك بأن هذا يسمى الإرهاص ، وهو مقدمات النبوة وبشائرها ، ومثله في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثير ، ولا يبعد أن يكون غسل الدم الأسود من قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي ، ويحجم عن الطاعات ، فإذا أزالوه كان ذلك كالعلامة على كون صاحبه معصوما ، مواظبا على الطاعات ، محترزا عن السيئات ، وأيضا فلأن اللَّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد [2] .

وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ أي حططنا عنك ما كنت تتصور من وجود ذنوب ومعاص أثقلت كاهلك ، وأتعبت نفسك ، سواء قبل النبوة أم بعدها مما تفعله خلاف الأولى ، وهو لا يتفق مع سمو قدرك ، ورفعة منزلتك ، وعلو شأنك ، كالإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن الجهاد في موقعة تبوك ، وقبول الفداء من أسرى بدر ، والعبوس في وجه الأعمى.

و قيل: المراد حططنا عنك حمل أعباء النبوة والرسالة ، فسهلناها عليك ، حتى تيسرت لك.

(1) - صحيح ابن حبان - (14 / 243) (6334و6336) وصحيح مسلم - (431 )

المخيط: الإبرة -الظئر: المرضعة غير ولدها ويقع على الرجل والمرأة -العلقة: الدم الغليظ المنعقد -لأمه: ضم بعضه إلى بعض -المنتقع: المتغير اللون

(2) - تفسير الرازي: 32/ 2

قلت: إذا صح الخبر لا يجوز ردُّهُ إلا إذا كان هناك خبر أقوى منه وعجزنا عن الجمع بينهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت