الصفحة 727 من 1282

وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ أي أقبل على اللَّه ، واجعل رغبتك إلى اللَّه وحده ، وتضرع إليه راهبا من النار ، راغبا في الجنة ، ولا تطلب ثواب عملك إلا من اللَّه ، فإنه الجدير بالتوجه والتضرع إليه ، وبالتوكل عليه.

ومضات:

عن مجاهد: أي: لا أذْكَر إلا ذكرتَ معي . قال الشهاب وهذا - أي: المأثور عن مجاهد - إن أخذ كلية خالف الواقع ؛ فإنه كم ذكر الله وحده ! وكم ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحده ! وإن عيِّن موضعًا فهو ترجيح بلا مرجح ، وإن جعلت القضية مهملة ، فلا يخفى ما في الإهمال من الركاكة .

قال: وقد أمعنت فيه النظر فلم أر ما يثلج الصدر ، ويردّ السائل غير صفر ، حتى لاح لي أن الجواب الحق أن يقال: الذكر محمول على الذِّكر في مجامع العبادة ومشاهدها ؛ فإن ذكره - صلى الله عليه وسلم - مقرون بذكره فيها في الواقع في الصلوات والخطب ، فلا ترى مشهدًا من مشاهد الإسلام إلا وهو كذلك ، فلا ينفك ذكره - صلى الله عليه وسلم - عن ذكره تعالى في يوم من الأيام ، ولا ليلة من الليالي بل ولا في وقت من الأوقات المعتدّ بها ، فتتجه الكلية . فإن قلت: من أين لك هذا التقييد ، فهل هو إلا ترجيح من غير مرجح ؟ قلت: المقام ناطق بهذا القيد ؛ فإن المراد التنويه بذكره - صلى الله عليه وسلم - وإشاعة قدره الدال على ُقربه - صلى الله عليه وسلم - من ربه ، كقرب اسمه من اسمه ، وإنما يكون هذا بذكره في المحافل والمشاهد والجوامع والمساجد ، وأيُّ إشاعة أقوى من الآذان ؟ لا في الأسواق والطرق التي يطرح فيها كل ذكر .

ثم قال: واعلم أن تحقيق هذا المقام ما قالهُ الإمام الشافعيّ في أول"رسالته الجديدة"وبينهُ السبكيّ في تعليقه على الرسالة فقال رحمه الله تعالى: قال الإمام رضي الله تعالى عنه ، عن مجاهد في تفسير الآية: لا أذْكر إلا ذكِرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله . قال الشافعي: يعني ذكره عند الإيمان بالله والأذان ، ويحتمل ذكرهُ عند تلاوة القرآن وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية .

قال السبكيّ: هذا الاحتمال من الشافعيّ جيد جدًا ، وهو مبني على أن المراد بالذكر ، الذكر بالقلب ، وهو صحيح ، فعلى هذا يعم ؛ لأن الفاعل للطاعة أو الكافّ عن المعصية امتثالًا لأمر الله تعالى به ، ذاكرًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بقلبه ؛ لأنه المبلغ لها عن الله ، هذا أعم من الذكر باللسان ، فإنه مقصور على الإسلام والأذان والتشهد والخطبة ونحوها . قال الشافعيّ: فلم تُمْسِ بنا نعمة ظهرت ولا بطنت ، نلنا بها حظًا في دِين أو دنيا ، أو رُفع عنا بها مكروه فيهما أو في واحد منهما ، إلا ومحمد - صلى الله عليه وسلم - سببها ؛ فعلم من هذا أنه إن أبقى العموم والحصر على ظاهره ، حمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت