فهرس الكتاب
وقد كثرت الأقوال المأثورة في التين والزيتون . . قيل: إن التين إشارة إلى طورتينا بجوار دمشق .
وقيل: هو إشارة إلى شجرة التين التي راح آدم وزوجه يخصفان من ورقها على سوآتهما في الجنة التي كانا فيها قبل هبوطهما إلى هذه الحياة الدنيا . وقيل: هو منبت التين في الجبل الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام .
وقيل في الزيتون: إنه إشارة إلى طورزيتا في بيت المقدس . وقيل: هو إشارة إلى بيت المقدس نفسه . وقيل: هو إشارة إلى غصن الزيتون الذي عادت به الحمامة التي أطلقها نوح عليه السلام من السفينة لترتاد حالة الطوفان . فلما عادت ومعها هذا الغصن عرف أن الأرض انكشفت وأنبتت!
وقيل: بل التين والزيتون هما هذان الأكلان اللذان نعرفهما بحقيقتهما . وليس هناك رمز لشيء وراءهما . . أو أنهما هما رمز لمنبتهما من الأرض . .
وشجرة الزيتون أشير إليها في القرآن في موضع آخر بجوار الطور: فقال: { وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين } كما ورد ذكر الزيتون: { وزيتونًا ونخلًا } فأما « التين » فذكره يرد في هذا الموضع لأول مرة وللمرة الوحيدة في القرآن كله .
ومن ثم فإننا لا نملك أن نجزم بشيء في هذا الأمر . وكل ما نملك أن نقوله اعتمادًا على نظائر هذا الإطار في السور القرآنية: إن الأقرب أن يكون ذكر التين والزيتون إشارة إلى أماكن أو ذكريات ذات علاقة بالدين والإيمان . أو ذات علاقة بنشأة الإنسان في أحسن تقويم ( وربما كان ذلك في الجنة التي بدأ فيها حياته ) . . كي تلتئم هذه الإشارة مع الحقيقة الرئيسية البارزة في السورة؛ ويتناسق الإطار مع الحقيقة الموضوعة في داخله . على طريقة القرآن . . .
فأما الحقيقة الداخلية في السورة فهي هذه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين .إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } . .
ومنها تبدو عناية الله بخلق هذا الإنسان ابتداء في أحسن تقويم . والله سبحانه أحسن كل شيء خلقه . فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحسن التركيب ، وحسن التقويم ، وحسن التعديل . . فيه فضل عناية بهذا المخلوق .
وإن عناية الله بأمر هذا المخلوق على ما به من ضعف وعلى ما يقع منه من انحراف عن الفطرة وفساد لتشير إلى أن له شأنًا عند الله ، ووزنًا في نظام هذا الوجود . وتتجلى هذه العناية في خلقه وتركيبه على هذا النحو الفائق ، سواء في تكوينه الجثماني البالغ الدقة والتعقيد ، أم في تكوينه العقلي الفريد ، أم في تكوينه الروحي العجيب .