الصفحة 765 من 1282

ثم أبان عموم فضله وكثرة نعمه ، فقال: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ أي علّم اللَّه الإنسان بالقلم كثيرا من الأمور ما لم يعلم بها ، فلا عجب أن يعلمك اللَّه أيها النبي القراءة ، وكثيرا من العلوم ، لنفع أمتك.

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ:"يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا فَيُبَاهِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ ، تِلْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى"سُنَنُ الدَّارِمِيِّ [1]

وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"جَالِسِ الْكُبَرَاءَ ، وَسَائِلِ الْعُلَمَاءَ ، وَخَالِطِ الْحُكَمَاءَ"

وفي رواية عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ:"وَخَالِلِ الْحُكَمَاءَ" [2]

(1) - سُنَنُ الدَّارِمِيِّ (401 ) ضعيف

(2) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (81 )

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"جَالِسِ الْكُبَرَاءَ"أَيْ: ذَوُو الْأَسْنَانِ وَالشُّيُوخُ الَّذِينَ لَهُمْ تَجَارِبٌ ، وَقَدْ كَمُلَتْ عُقُولُهُمْ ، وَسَكَنَتْ حِدَّتُهُمْ ، وَكَمُلَتْ آدَابُهُمْ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: آرَاؤُهُمْ ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ خِفَّةُ الصِّبَى ، وَحِدَّةُ الشَّبَابِ ، وَأَحْكَمُوا التَّجَارِبَ ، فَمَنْ جَالَسَهُمْ تَأَدَّبَ بِآدَابِهِمْ ، وَانْتَفَعَ بِتَجَارِبِهِمْ ، فَكَانَ سُكُونُهُمْ وَوَقَارُهُمْ حَاجِزًا لِمَنْ جَالَسَهُمْ ، وَزَاجِرًا لَهُمْ عَمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْ طِبَاعِهِمْ ، وَيَتَبَرَّكُ بِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ"، وَقَدْ أَمَرَ بِتَوْقِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا". وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ:"جَالِسِ الْكُبَرَاءِ"، أَيِ: الْكُبَرَاءُ فِي الْحَالِ ، وَمَنْ لَهُ رُتْبَةٌ فِي الدِّينِ ، وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا فِي السِّنِّ ، وَالْكَبِيرُ فِي الْحَالِ هُوَ جَمِيعُ عِلْمِ الْوِرَاثَةِ إِلَى عِلْمِ الدِّرَاسَةِ ، فَقَدْ قِيلَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:"مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، فَقَدْ شَرَطَ لِوِرَاثَةِ هَذَا الْعِلْمِ الْعَمَلَ بِعِلْمِ الدِّرَاسَةِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ الِاكْتِسَابِ ، وَهُوَ عِلْمُ الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَحْكَامِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ ، وَهَذَا عِلْمُ الدِّرَاسَةِ ، وَعِلْمُ الْوِرَاثَةِ: عِلْمُ آفَاتِ النَّفْسِ ، وَآفَاتِ الْعَمَلِ ، وَخِدَعِ النَّفْسِ ، وَغُرُورِ الدُّنْيَا ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِعِلْمِ الِاكْتِسَابِ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَهُوَ عِلْمُ الْإِفْهَامِ ، وَفِي نُسْخَةٍ"عِلْمُ الْإِلْهَامِ"، وَالْفَرَاسَةِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -:"اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -:"وَمَنْ وَرَّثَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْعِلْمَ ، فَهُوَ الَّذِي شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ"، فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"النُّورُ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَتَحَ"، فَقِيلَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ:"التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ ، وَمَنْ تَجَافَى عَنِ الدُّنْيَا كُشِفَ عَنْ سِرِّهِ الْحُجُبُ ، فَصَارَ الْغَيْبُ لَهُ شُهُودًا"قَالَ حَارِثَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، وَأَسْهَرْتُ لِيَلِي ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت