الصفحة 825 من 1282

رمضان كل عام ، هي ليلة فيها مزية على غيرها ، بفضل اختصت به دون غيرها . وهذا هو السرّ في قيام رمضان والتماسها في العشر الأواخر منه . أعني إحياء ما ماثلها من الليالي تبركًا وتيمنًا وشكرًا لله تعالى على تلك النعمة والهداية ، فالقائم في ليالي العشر الأخير ، أو في رمضان ، مصادف البتة لما ماثل تلك الليلة ؛ لأنها منه قطعًا . وقد باين الإسلام في تفضيل بعض الأوقات بتشريع اتخاذها موسمًا للعبادة ما ابتدعه رؤساء الأديان الأخَر في تذكاراتهم وجعلها أعيادًا ، تصرف ساعاتها للبطالة والزينة واللهو ، مما ينافي حكمة ذكراها ؛ فتأمّل الفرق واحمد الله على اتباع الحق .

الثالث: قال الإمام: ما يقوله الكثير من الناس من أن الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان ، وأن الأمور التي تفرق فيها هي الأرزاق والأعمار ، وكذلك ما يقولونه من مثل ذلك في ليلة القدر ، فهو من الجراءة على الكلام في الغيب بغير حجة قاطعة ، وليس من الجائز لنا أن نعتقد بشيء من ذلك ، ما لم يرد به خبر متواتر عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - ، ومثل ذلك لم يرد ؛ لاضطراب الروايات ، وضعف أغلبها ، وكذبِ الكثير منها . ومثلها لا يصح الأخذ به في باب العقائد . ومثل ذلك يقال في بيت العِزّة ، ونزول القرآن فيه جملة واحدة في تلك الليلة ، فإنه لا يجوز أن يدخل في عقائد الدين ، لعدم تواتر خبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه ، وإلا كنا من الذين { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ } [ الأنعام: 116 ] نعوذ بالله . وقد وقع المسلمون في هذه المصيبة ، مصيبة الخلط بين ما يصح الاعتقاد به من غيب الله ويُعدّ من عقائد الدين ، وبين ما يظن به للعمل على فضيلة من الفضائل ، فاحذر أن تقع فيها مثلهم ، انتهى كلامه رحمه الله تعالى . [1]

الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال . ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى . ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته ، وفي دلالته ، وفي آثاره في حياة البشرية جميعًا . العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري: { إنا أنزلناه في ليلة القدر . وما أدراك ما ليلة القدر؟ } . . { ليلة القدر خير من ألف شهر } . .

والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف وتنير . بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود . نور الله المشرق في قرآنه: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى: { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من أكل أمر } . . ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقًا مع نور

(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 279)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت