جمعت البنيان كله ، واشتملت على الهدى جميعه ، فكانت آياتها قائمة بين الناس ، يلقونها في كل لحظة ، ويديرون عقولهم وقلوبهم إليها في كل زمان ومكان ، ولم تكن آياتها آيات عارضة ، تلقاها حواسّ من يشهدونها ساعة من نهار ، ثم نزول فلا ترى أبد الدهر ، كما رأى الراءون من آيات موسى ، وعيسى عليهما السلام .. وإنما هى آيات تعايش الإنسان ، وتصحبه ما شاء أن تصحبه وتعيش معه ..
والحق حين تتضح آياته هذا الوضوح المشرق ، وحين يتجلّى وجهه هذا التجلي المبين ، يكون منكره ، والحائد عنه ، أشدّ الناس ضلالا ، وأكثرهم عنادا ، وأبعدهم عن الخير ، وأقربهم إلى الشر .. « أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ » ..
وقوله تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ » . أي الذين آمنوا بهذا الدّين وعملوا الصالحات ، أولئك هم خير الخلق جميعا ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » ، إذ ألبسهم إيمانهم باللّه ، وأعمالهم الصالحة في ظل هذا الإيمان ـ لباس التقوى ، فكانوا هم عباد اللّه ، وكانوا أهل ودّه ، ولهذا كان جزاؤهم عند ربهم هذا الجزاء الكريم: « جنات عدن » أي جنات خلود واستقرار ، تجرى من تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدا ، لا يتحولون عنها .. « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » فأدخلهم في جنّاته ، وأفاض عليهم من نعيمه. « وَرَضُوا عَنْهُ » أي رضوا عن ربّهم ، وحمدوه ، وشكروا له هذا النعيم الذي هم فيه .. وذلك النعيم والرضوان ، إنما هو لمن خشى ربّه ، واتقاه ، وخاف مقامه.
هذا ، ويلاحظ هنا أمران:
أولهما: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد جاء الحديث عنهم مطلقا من غير قيد الإضافة إلى أهل الكتاب ، أو المشركين ، فلم يجىء النظم القرآنى هكذا: « إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أهل الكتاب والمشركين » .
.كما جاء في الآية السابقة: « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ » ـ وذلك لأن الذين يؤمنون باللّه ويعملون الصالحات في جميع الأحوال والأزمان داخلون في ساحة المؤمنين بشريعة الإسلام ..
سواء أكان هذا الإيمان عن دعوة رسول وكتاب ، أو عن دعوة العقل ، وإلهام الفطرة ، فالمؤمن باللّه حيث كان ، وحيث كان مصدر إيمانه ، هو لا حق بهؤلاء المؤمنين ، وهو ملاق هذا الجزاء الذي يجزى به المؤمنون ..