الصفحة 923 من 1282

وعلى هذا فاللام في العاديات للعهد ، ويحتمل وهو الظاهر كما تقدم عن أبي حيان أن تكون للجنس وليست أل فيه للعهد ، ويدخل فيها خيل الجهاد والسرية دخولا أولياء.

وجواب القسم المحلوف عليه هو: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ أي إن الإنسان كفور بطبعه للنعمة ، كثير الجحد لها ، وعدم الإقرار بمقتضاها الموجب لشكر الخالق المنعم ، والخضوع لشرعه وأحكامه ، إلا من جاهد نفسه ، وعقل أمر الدنيا والآخرة ، فأقبل على الطاعة والفضيلة ، وأحجم عن المعصية والرذيلة.

والظاهر أن المراد بالإنسان هو الجنس ، والأكثرون على أن الإنسان هو الكافر لقوله بعد ذلك: أَفَلا يَعْلَمُ. لكنهم قالوا أيضا: ويحتمل أن يراد أن جنس الإنس مفطور على ذلك إلا من عصمه اللَّه بلطفه وتوفيقه ، وقوله: أَفَلا يَعْلَمُ يجوز أن يكون توبيخا على أنه لا يعمل بعلمه.

وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ أي وإن الإنسان على كونه كنودا جحودا لشهيد يشهد على نفسه بالجحد والكفران ، أي بلسان حاله ، وظهور أثر ذلك عليه في أقواله وأفعاله بعصيان ربه ، كما قال تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة 9/ 17] .

وقال قتادة وسفيان الثوري: وإن اللَّه على ذلك لشهيد.

وإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أي وإن الإنسان بسبب حبه للمال لبخيل به ، أو أن حبه للمال قوي ، فتراه مجدّا في طلبه وتحصيله ، متهالكا عليه. فصار هناك رأيان في المعنى: أحدهما- وإنه لشديد المحبة للمال ، والثاني- وإنه لحريص بخيل بسبب محبة المال ، قال ابن كثير: وكلاهما صحيح.

ثم هدد الإنسان وتوعده إذا ظل بهذه الصفات ، فقال: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ أي أفلا يدري الجاحد إذا أخرج أو نثر ما في القبور من الأموات ، وأبرز وأظهر ما يسرّ الناس في نفوسهم من النوايا والعزائم ، والخير والشر ، إن رب هؤلاء المبعوثين لخبير بهم ، مطلع على جميع أحوالهم ، لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره ، ومجازيهم في ذلك اليوم على جميع أعمالهم أوفر الجزاء ، ولا يظلمون مثقال ذرة. فإذا علموا ذلك ووعوه ، فعليهم ألا يشغلهم حب المال عن شكر ربهم وعبادته والعمل للآخرة.

وخص أعمال القلوب بالذكر لأن أعمال الأعضاء الأخرى تابعة لأعمال القلب فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب ، لما حصلت أفعال الجوارح.

وأعاد الضمير في قوله: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ بصيغة الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع ، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر 103/ 2] ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت