الصفحة 930 من 1282

وفى حذف مفعول الفعل « يعلم » . . استدعاء للعقل أن يبحث عن هذا المفعول ، وأن يستدلّ عليه ، وفى هذا ما يدعوه إلى إعمال فكره ، فيجد العبرة والعظة .. أي أفلا يعلم ما يكون في هذا اليوم ؟ إنه لو علم لكان له مزدجر عن غيّه وضلاله.

وقوله تعالى: « إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ » .هو تعقيب على هذا السؤال: « أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ » .. أي فإذا لم يكن يعلم ماذا يكون في هذا اليوم ، فليذكر هذه الحقيقة المطلقة ، التي ينادى بها في الوجود كله ، وهى حقيقة ثابتة: « إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ » .. إذا علم هذه الحقيقة ، وآمن بها ، علم ماذا يكون عليه حاله يومئذ .. إن ربه الذي يعلم كل شىء ، قد علم ما كان منه في الدنيا ، وأنه محاسبه على ما عمل ..

وليس الظرف في قوله تعالى: « إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ » قيد لعلم اللّه وحصره في هذا اليوم ، بل إن علم اللّه بما يعمل الناس ، هو علم دائم متصل ، ولكن علمه في هذا اليوم بأعمال الناس ، يقتضى محاسبتهم عليها ، وجزاءهم بما عملوا .. فهذا يوم الجزاء لعمل كل عامل .. [1]

يقسم الله سبحانه بخيل المعركة ، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري ، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها ، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو ، مثيرة للنقع والغبار . غبار المعركة على غير انتظار . وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب!

إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة . . والقسم بالخيل في هذا الإطار فيه إيحاء قوي بحب هذه الحركة والنشاط لها ، بعد الشعور بقيمتها في ميزان الله والتفاته سبحانه إليها؟

وذلك فوق تناسق المشهد مع المشاهد المقسم عليها والمعقب بها كما أسلفنا . أما الذي يقسم الله سبحانه عليه ، فهو حقيقة في نفس الإنسان ، حين يخوى قلبه من دوافع الإيمان . حقيقة ينبهه القرآن إليها ، ليجند إرادته لكفاحها ، مذ كان الله يعلم عمق وشائجها في نفسه ، وثقل وقعها في كيانه: { إن الإنسان لربه لكنود . وإنه على ذلك لشهيد . وإنه لحب الخير لشديد } . .

إن الإنسان ليجحد نعمة ربه ، وينكر جزيل فضله . ويتمثل كنوده وجحوده في مظاهر شتى تبدو منه أفعالًا وأقوالًا ، فتقوم عليه مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة . وكأنه يشهد على نفسه بها . أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود: { وإنه على ذلك لشهيد } .

.يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال!

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1654)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت