فهرس الكتاب
وأما من خفت موازينه لسوء عمله واتباعه الباطل وبعده عن الحق فأمه هاوية ، ما أروع هذا التعبير! ما يأوى إليه نار حامية ، نار يهوى فيها صاحبها ، وما أدراك ، ما هيه ؟ أى: أنت لا تعرف عنها شيئا ، إنها نار حامية تكوى الوجوه ، وتشوى الجلود ، وقانا اللّه شرها. [1]
التفسير والبيان:
الْقارِعَةُ ، مَا الْقارِعَةُ ، وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ؟ الْقارِعَةُ من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع ، وأي شيء هي ، وما أعلمك ما شأن القارعة ؟ وقوله: مَا الْقارِعَةُ لتعظيم شأنها وتفخيمه ، وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ تأكيد لشدة هولها ، وتعظيم أمرها ، وتهويل شأنها.
ثم فسر ذلك وأبان زمانها وأماراتها ، فقال:
1-يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ أي يوم يخرج الناس من القبور ، يسيرون على غير هدى في كل اتجاه ، شأنهم في ذلك ، كالحشرة الطائرة المعروفة المنتشرة المتفرقة. أو كجميع الحشرات الطائرة ، كالبعوض والجراد ، فهم في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم بسبب حيرتهم مما هم فيه ، كأنهم فراش مبثوث ، أي متفرق منتشر ، كما قال تعالى: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر 54/ 7] . قال الزمخشري: شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب ، كما يتطاير الفراش إلى النار.
2-وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ أي وتصير الجبال كالصوف ذي الألوان المختلفة ، المندوف الذي نقش بالندف لأنها تتفتت وتتطاير ، كما في قوله تعالى: وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ [التكوير 81/ 3] وقوله سبحانه: وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمّل 73/ 14] .
وفي ذكر هاتين الأمارتين تخويف للناس وتحذير شديد.
ثم ذكر الجزاء على الأعمال وأحوال الناس وتفرقهم فريقين إجمالا ، فقال: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي أما من ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته أو أعماله الصالحة على سيئاته ، فهو في عيشة مرضية يرضاها صاحبها في الجنة. والعيشة: كلمة تجمع النعم التي في الجنة.
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ، نارٌ حامِيَةٌ أي وأما من رجحت سيئاته على حسناته ، أو لم تكن له حسنات يعتد بها ، فمسكنه أو مأواه جهنم. وسماها أمه لأنه يأوي إليها كما يأوي الطفل إلى أمه ، وسميت جهنم هاوية وهي الهالكة لأنه يهوي فيها مع عمق قعرها ، ولأنها نار عتيقة.
ونحن نؤمن بالميزان كما ورد في القرآن ، دون أن ندري كيفية وزنه وتقديره.
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 897)