ولا وزن ، كما يقول سبحانه وتعالى عن أعمال الكافرين: « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا » (105: الكهف) لأن أعمالهم لا قيمة لها ولا قدر .. ، لأنها لم تقم في ظل الإيمان باللّه.
فأصحاب الأعمال الحسنة التي رجحت بها موازينهم وارتفعت بها أقدارهم على الناس يومئذ ، هم في عيشة راضية ، حيث ينعمون في جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ..
وفى وصف المعيشة بأنها راضية ، مع أن الرضا إنما يكون لمن يعيشون فيها ـ في هذا إشارة إلى أنها راضية في ذاتها ، بحيث تبدو وكأنها كائن حىّ قد اجتمع له كل ما يرضيه .. فهذه المعيشة قد اجتمع لها كل أسباب الرضوان لجميع الناس على اختلاف مطالبهم ..
وقد عرضنا لهذا في تفسير سورة « الحاقة » .
قوله تعالى: « وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ » وهؤلاء هم الكافرون الذين حبطت أعمالهم ، فلم يكن لهم ولا لأعمالهم وزن ـ هؤلاء أمّهم. التي تضمهم إليهم ، وتحنو عليهم ، هى هاوية ، حيث تهوى بأصحابها إلى قرار الجحيم .. إنها نار حامية ، تأكل أهلها كما تأكل النار الحطب ..
وفى جميع الموازين ، إشارة إلى أن كل عمل من أعمال الإنسان له ميزانه الذي يوزن به ، حسب قدره ، وقيمة ..
أما الميزان الذي توزن به الأعمال ، فهذا مما استأثر اللّه سبحانه وتعالى بعلمه ، ولا ينبغى لنا أن نتكلف له تصورا ، وحسبنا أن نؤمن بأن هناك ميزانا توزن به الأعمال ، وتتبين به قيمة كل عمل ، صغر أو كبر .. أما هيئة هذا الميزان وكيفيته ، وكيف توزن الأعمال به ـ فهذا مما يتولاه اللّه عنا ، ولا شأن لنا به .. إنه سبحانه يحاسب ، ويقضى ، ويحكم ، وهو أحكم الحاكمين. [1]
لقد بدأ بإلقاء الكلمة مفردة كأنها قذيفة: { القارعة } بلا خبر ولا صفة . لتلقي بظلها وجرسها الإيحاء المدوي المرهوب!
ثم أعقبها سؤال التهويل: { ما القارعة؟ } . . فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهش والتساؤل!
ثم أجاب بسؤال التجهيل: { وما أدراك ما القارعة؟ } . . فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك ، وأن يلم بها التصور!
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1661)