5-القيامة ذات أهوال وشدائد ومخاوف تهز القلوب وتقرع الأسماع ، لا يعلم أحد بكنهها لأنها في الشدة بحيث لا يتصورها عقل أحد ، وكيفما قدرت فهو أعظم من تقديرك ، كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار.
وفي هذا تحذير شديد وإرهاب لا مثيل له. قال مقاتل: إنها تقرع أعداء اللَّه بالعذاب ، وأما أولياؤه فهم من الفزع آمنون.
6-وصف اللَّه يوم القيامة بأمرين:
الأول- كون الناس فيه كالفراش المتفرق المنتشر ، وهو الحيوان الذي يتهافت في النار.
الثاني- صيرورة الجبال فيه كالصوف ذي الألوان ، المندوف ، الذي ينفش بعضه عن بعضه.
ويلاحظ أنه تعالى وصف تغير الأحوال على الجبال من وجوه أربعة:
أولها- أن تصير قطعا ، كما قال: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [الحاقة 69/ 14] .
وثانيها- أن تصير كثيبا مهيلا ، كما قال: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل 27/ 88] .
وثالثها- ثم تصير كالعهن المنفوش ، وهي أجزاء كالذر الداخل من النافذة.
ورابعها- تصير سرابا ، كما قال: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ ، فَكانَتْ سَرابًا [النبأ 78/ 20] [1] .
7-يقسم الناس يوم القيامة إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها ، فأما من رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة في عيشة مرضية ، وأما من رجحت سيئاته على حسناته فهو في نار حامية شديدة الحرارة. وقوله: نارٌ حامِيَةٌ إشارة إلى أن سائر النيران بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية. وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها.
والموازين جمع ميزان ، فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة ، فإذا رجح ، فله الجنة ، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة ، فيخف وزنه ، فيدخل النار.
وقال المتكلمون: إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما ،بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن ، أو يجعل النور علامة الحسنات ، والظلمة علامة السيئات.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَوْلُهُ: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ قَالَ:"إِنَّا نَرَى مِيزَانًا وَكِفَّتَيْنِ ،سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ:"يُجْعَلُ الرَّجُلُ الْعَظِيمُ الطَّوِيلُ فِي الْمِيزَانِ ، ثُمَّ لَا يَقُومُ بِجَنَاحٍ ذُبَابٍ"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَمْرِو"
(1) - تفسير الرازي: 32/ 72