الصفحة 975 من 1282

السورة -على اختصارها- هي من أجمع سورة القرآن للخير بحذافيره . والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه ، شافيا من كل داء ، هاديا إلى كل خير . انتهى

الثاني: قال الرازي: هذه السورة فيها وعيد شديد . وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس ، إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة . وهي: الإيمان ، والعمل الصالح ، التواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ؛ فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور . وأنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه ، فكذلك يلزمه في غيره أمور: منها الدعاء إلى الدين ، والنصيحة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ثم كرر التواصي ليتضمن الأول الدعاء إلى الله ، والثاني الثبات عليه . والأول الأمر بالمعروف ، والثاني النهي عن المنكر . ومنه قوله تعالى: { وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } [ لقمان: 147 ] ، وقال عمر: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي .

الثالث: قال الرازي: دلت الآية على أن الحق ثقيل ، وأن المحن تلازمه ؛ فلذلك قرن التواصي بالصبر .

الرابع: تخصص التواصي بالحق والصبر ، من اندراجهما في الأعمال الصالحة ، لإبراز كمال الاعتناء بهما .

قال الإمام: من تلك الأعمال الدعوة إلى الحق والوصية بالصبر ، لكنه أراد تخصيص هذين الأمرين بالذكر ، لأنهما حفاظ كل خير ورأس كل أمر . والحق هو ما تقرر من حقيقة ثابتة أو شريعة صحيحة ، وهو ما أرشد إليه دليل قاطع أو عيان ومشاهدة . فشرط النجاة من الخسران أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم ، ويمكنوه من قلوبهم ، ثم يحمل الناس بعضهم بعضا عليه ، بأن يدعو كلٌّ صاحبه إلى الاعتقاد بالحقائق الثابتة التي لا ينازع فيها العقل ولا يختلف فيها النقل ، وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات التي لا قرار للنفوس عليها ولا دليل يهدي إليها ، ولا يكون ذلك إلا بإعمال الفكر وإجادة النظر في الأكوان ، حتى تستطيع النفس دفع ما يرد عليها من باطل الأوهام ، وهذا إطلاق للعقل من كل قيد ، مع اشتراط التدقيق في النظر ، لا الذهاب مع الطيش والانخداع للعادة والوهم . ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس على الحق الصحيح بعد أن يعرفه فهو من الخاسرين . كم ترى في الآية بالنص الصريح الذي لا يقبل التأويل .

والصبر قوة للنفس على احتمال المشقة في العمل الطيب ، واحتمال المكروه من الحرمان من اللذة ، إن كان في نيلها ما يخالف حقا أو ما لا تأذن به الشريعة الصحيحة التي لا اختلاف فيها . واحتمال الآلام إذا عرضت المصائب بدون جزع ولا خروج في دفعها عن حدود الحق والشرع . فشرط النجاة من الخسران أن تصبر ، وأن توصي غيرك بالصبر ، وتحمله على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت