الصفحة 20 من 53

في هذا الأمر كعلي بن أبي طالب, و لهذا لم يبايع سعد بن عبادة حتى مات - رضي الله عنه -. [1]

و من احتج بالخصوصية في هذه الحادثة فعليه الدليل, لأن إجماع الأمة منعقد على صحة بيعة أبي بكر مع أنها لم تقع بمشاورة (شركاء الساحة) من الأنصار و من المهاجرين بل و من بني هاشم الذين تمنع بعضهم في أول الأمر كأبي سفيان و العباس و غيرهم - رضي الله عنهم أجمعين.

ثم إن الحالة في العراق أولى من حالة أبي بكر - رضي الله عنه - لأن الحكم في العراق قد كثر فيه اللصوص و قطاع الطريق لاقتناصه و انتهاز الفرصة لتحقيق مذاهبهم الضالة و مناهجهم المنحرفة, و التي سيمنعون بها تحكيم الشريعة و ينحّونها كما فعل إخوانهم من قبل في أماكن مختلفة, بينما أقصى ما سيحدث في حالة أبي بكر هو الاقتتال و التناحر, و قد قال الله تعالى (والفتنة أشد من القتل) و الفتنة الشرك, فأي فتنة أعظم من تنحية حكم الشريعة و استبدالها بغيرها من الأنظمة التكنوقراطية و الديمقراطية و غير ذلك من الأنظمة اللعينة.

فلا دليل على وجوب المشاورة أو اتفاق جميع شركاء الساحة على هذا الأمر, لأنهم بين أمرين: 1 - إما قوم يسعون لتحكيم الشريعة و إقامة دولة إسلامية حقيقية, فهؤلاء قد كفوهم إخوانهم هذا الأمر و حققوه لهم, فما الذي يمنعهم من مشاركة إخوانهم و قد تحقق لهم مقصودهم!؟

2 -أو قوم لا يريدون تحكيم الشريعة و يسعون لتنحيتها, فلا كرامة لهؤلاء, و من المستحيل أن يرضى أهل الإسلام بهؤلاء الفسقة أو الكفرة.

قال إمام الحرمين الجويني - رحمه الله:

وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن - رضي الله عنهما - وهو: أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل العقد, و وجه هذا المذهب: أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة, ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص والعقود في الشرع يتولاها عاقد واحد وإذا تعدى المتعدي عن الواحد فليس عدد أولى من عدد ولا وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص فإذا لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد.

وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطا فانتفى الإجماعُ بالإجماعِ, و بطل العدد بانعدام الدليل عليه, فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد. ا. هـ [2]

فكيف و قد بايع جمع من شيوخ العشائر و قادة الجماعات و الكتائب و حصل من الشوكة

و القدرة و المنعة ما اعترف به العدو و أذنابه من الصحوات, فعلًا: كاستخدام القاذفات بعيدة المدى, وقولًا: و هو أشهر من أن يذكر من تصريحات المرتدين خصوصًا, ما دفع النصارى إلى دفع الجزية للدولة الإسلامية طلبًا لحمياتهم و منعتهم.

(1) انظر تاريخ الطبري 2/ 237 , البداية و النهاية 6/ 302.

(2) غياث الأمم 1/ 54 - 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت