وأما الاستدلال بصلاة الصحابة خلف المبتدع فلا تقتضي الإقرار بإمامته.
وأما الاستدلال بأن المصلحة في ترك القتال فهذه متوقفة على غالب الظن وقوة الخارج والمخروج عليه وما يحيط بالمسألة من أحوال، فإن غَلَب على الظن حصول منكر أكبر مما يُسعى إلى دفعه فالواجب المنع، وإن غلب على الظن أن المصلحة في الخروج وأنه قد يترتب على تركه مفسدة أعظم فالواجب الخروج، فالراجح إذن هو المصلحة العامة على كل حال.
ثانيًا: مناقشة أدلة القائلين بالخروج -أي بجواز الخروج-
أما استدلالهم بقوله -تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} ، فغير مسلَّم به في هذا المقام؛ فالآية تُبيِّن حكم القتال حال تَبيُّن الباغية من العادلة ولم تأمر بالخروج والقتل ابتداءً، وهناك مما استدلوا به عمومات خصصتها الأدلة الناهية عن الخروج، كاستدلالهم بقول الله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
وأما الاستدلال بالأدلة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر على الخروج فهذا بشرط توفر شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها الاستطاعة، ومنها ألا يترتب على المنكر منكر أعظم منه، قال ابن القيم:"فإنكار المنكر أربع درجات، الأولى: أن يزول ويخلفه ضده -أي المعروف-، الثانية: أن يَقِل وإن لم يزل بجملته -أي أن يقل المنكر-، الثالثة: أن يتساويا، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه -أي أشد نكارة مما كان قائم-"، قال:"فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة"أ. هـ.
وصحيحٌ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بشروطه ودرجاته المعروفة، ولكن الأحاديث فيه عامة وأحاديث النهي عن الخروج أخص، والخاص مقدم على العام.
وأما أحاديث (خطر الأئمة المضلين) فالاستدلال به ضعيف، وليس هذا بابه.
وأما الاستدلال بقتال الطائفة الممتنعة فمشروط بالاستطاعة.
وأما حديث (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) فأراه قويًا في بابه رغم قول الشيخ الدميجي فيه أنه عام في كل ظالم، وأحاديث النهي خاصةً بأئمة الجور فيُستثنَوْن من العموم.
وبعد هذا العرض لأدلة الطرفين ونقاشها فيتضح مما سبق قوة وصراحة أدلة المانعين، كما أن في أدلة المجيزين قوة دلالة لا تخفى ما لم يرد الاعتراض شرط أن يكون الاعتراض