عليهم وعلى غيرهم في العراق، فصار كلام الخوارج فتنة لكثيرين؛ لأنه مدعوم ببعض الانتصارات على أرض الواقع.
وكأن انتصار جماعةٍ ما في وقتٍ ما في بقعةٍ ما كبيرة أو صغيرة هو علامة فارقة على صحة المنهج! والمرء لا يستغرب مثل هذا، فقد انخدع الكثيرون من أهل السنة بحزب اللات بمسرحية تمُّوز مع اليهود، ونحن لا نقصد تشبيههم بحزب اللات من كل وجه، فالحزب كفرة وهم ليسوا كذلك، وإنما نقصد تشبيههم من هذا الوجه -أي انخداع الناس بالانتصار واتخاذه دليلًا على صحة المنهج- وإلا فإن المرء لو قال إن ضرر جماعة الخوارج على ساحة الشام أشد من ضرر حزب اللات حتى الآن لأصاب كبد الحقيقة.
نعود لطريقة التغلب فنقول: الطرق الشرعية الصحيحة لانعقاد الإمامة هي الاختيار والاستخلاف كما سبق، وهناك طريق ثالثة تجب الطاعة بموجبها ولكنها ليست بطريقة شرعية ولا تجوز وتُقر إلا لضرورة الحفاظ على وحدة المسلمين وحقن دمائهم ودرء الفتنة عنهم، إذن لا تجوز وتُقر هذه الطريقة إلا في حال الضرورة.
والضرورة هي الحفاظ على وحدة المسلمين وحقن دمائهم ودرء الفتنة عنهم.
وهذا الطريق لم يُجمع المسلمون على اعتباره مما تنعقد به الإمامة بل هم فيه مذهبان، وقبل ذكر هذين المذهبين لا بد أن نوضح صورة التغلب التي على أساسها اختلف الناس.
إن صورة التغلب التي تكلم عنها علماؤنا هي عندما تكون الخلافة قائمة والمسلمون ممكنون ومتحدون ومنضوون تحت راية إمام لهم مُمكَّن، فالأمة في هذه الصورة موجودة بالمعنى السياسي ولها كيانها القائم من خلال وحدتها ووحدة صفها وكلمتها بسمعها وطاعتها لإمامها.
ثم يقوم من ينازع هذا الإمام الأمر ويغلب عليه ويتمكن من الأمر ويستتب له الأمر، فهل نُقر في هذه الحالة هذا الذي غلب بغير وجه حق من باب درء المفسدة الكبرى التي هي شق الصف وتمزيق الكلمة والوحدة وسفك الدماء وزرع الفتنة بارتكاب مفسدة أصغر وهي إقراره على ما قام به، لا تصحيحًا لفعله وإنما درء للمفسدة المذكورة وحفاظًا على الوحدة والقوة وعدم الفتنة وسفك الدماء.
حيث لو قلنا بعدم إقراره بعد تغلبه لربما -وغالبًا ما حصل- أن ينقسم الناس بين مؤيد له ومعارض، وتنشأ النزاعات التي تُفضي إلى شق الصف والتنازع وذهاب الريح والفتنة