الصفحة 54 من 123

وسفك الدماء وتسلط الأعداء وتمزيق الوحدة والكلمة، هذه هي الصورة التاريخية التي في ضوئها بحث العلماء مسألة إقرار إمارة المتغلب.

وهي كما نرى بيعدةً كل البعد عن واقع المسلمين اليوم وبعيدةً كذلك عما قامت به جماعة الدولة من إعلان خلافتها محتجةً بفقه التغلب، فإن صورة التغلب التي بحثها علماؤنا لا تشبه واقع جماعة الدولة وقياس حالهم على فقه التغلب هو قياس مع الفارق.

وجوهر الفرق أمران: فرق الصورة كما بيَّنا وفرق المناط وسيأتي -إن شاء الله تعالى-، وبعد بيان الصورة فإن هناك مذهبان للقول بإقرار التغلب من عدمه:

الأول: قال أصحابه لا تنعقد إمامة المتغلب ولا تجب طاعته؛ لأن الإمامة لا تنعقد حال البيعة إلا باستكمال الشروط فكذلك القهر وهذا هو مذهب الخوارج والمعتزلة وبعض الشافعية.

أما المذهب الثاني: وهو مذهب أهل السنة والجماعة وهو أن الإمامة يصح عقدها لمن غَلَب وعلينا أن لا ننسى الصورة التي على أساسها صحح العلماء إمارة المتغلب وكذلك أن لا ننسى المناط والعلة.

قال الإمام أحمد في رواية عبدوس ابن مالك:"ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا"انتهى، وهو مذهب مالك والشافعي.

قال النووي:"أما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام فتصدى للإمامة من جَمَع شرائطها من استخلافٍ ولا بيعة وقهر الناس بشوكته وجنوده انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين -وانظر إلى قوله"لينتظم شمل المسلمين"- فهذه هي العلة"انتهى كلامه -رحمه الله-.

وانظر إلى الصورة التي صورها النووي، صورة من جمع الشرائط وتصدى للإمامة عقِب موت الإمام ثم غلَب وقَهر فأقر صنيعه لعلة هي أن ينتظم شمل المسلمين، ولا يخفى أن الصورة هي في حال قيام الخلافة في الأمة كما بيّنا.

وقال شيخ الإسلام:"فمتى صار قادرًا على سياستهم إما بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطانٍ مطاع إذا أَمر بطاعة الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت