الصفحة 94 من 123

أن أحوال أولئك السلاطين غير منضبطة ولا ثابتة، فمنهم القريب إلى العدل ومنهم القريب إلى الكفر ومنهم الغامض ومنهم من يكون في عصر يندر فيه الأخيار ومنهم من سوى ذلك، ثم أن من العلماء من ينظر إلى الحسنات ويقتصر على نصوص الطاعة ومنهم من يركز النظر على السيئات ويستشهد بأحاديث الخروج، وينظر الفقهاء كذلك إلى كون الخارج مساويًا للمخروج عليه أو أظلم منه بينما يرى آخرون أنه أعدل وأحق، فليس ثمة قاعدة منضبطة ثابتة، ويمكن تصنيف الكلام على هذا النوع في مذهبين:

الأول/ مذهب من لا يرى الخروج على أئمة الظلم ولا يجيزه.

والثاني/ مذهب من يرى ذلك ويوجبه""

انتهى بتصرف.

فأما الأول: وهو مذهب القائلين بعدم جواز الخروج على الأئمة الظلمة فقد ذهب غالب أهل السنة إليه، إذْ منعوا الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف ما لم يصل بهم ظلمهم وجورهم إلى الكفر أو ترك الصلاة والدعوة إليها أو قيادة الأمة بغير كتاب الله، وينسب هذا المذهب إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- ومنهم سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبو بكرة وغيرهم -رضي الله عنهم-، وهو مذهب الحسن البصري والمشهور عن الإمام أحمد وعامة أهل الحديث.

قال شيخ الإسلام:"ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر"أ. هـ.

ولا يخفى أن هذا بالنظر إلى العلة وهي المحافظة على وحدة كلمة الأمة وحقن الدماء وأمن الفتنة، فهذه هي علة الحكم يدور معها حيث دارت، فحيث ما وجدت قلنا بذلك الحكم، وحيث ما انتفت انتفى هذا الحكم، ولا تصح دعوى بعض العلماء كالنووي -رحمه الله- الإجماع في هذا الباب؛ فدعوى الإجماع فيها نظر لأن هناك من أهل السنة من خالف كما سيأتي بيانه.

وقد استدل أصحاب هذا المذهب بالأحاديث الواردة في الأمر بالطاعة وعدم نكث البيعة والأمر بالصبر على جور الأئمة وإن رأى الإنسان ما يكره، وهي أحاديث كثيرة بلغت -كما قال الإمام الشوكاني- حد التواتر المعنوي، واستدلوا كذلك بالأحاديث الدالة على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم والنهي عن قتال الفتنة كقوله - صلى الله عليه وسلم - كما عند البخاري: (يوشك أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت