ثالثًا: استيعاب الحدث بمعرفة أبعاده المستقبلية، فما من حدث إلا وله ما وراءه، والهدوء وضبط النفس مما يعين القائد على الاستعداد لمواجهته بعقلية الواعي لما يدور حوله.
ففي غزوة حنين نفسها غنم المسلمون غنائم كثيرة جدًا، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من هذه الغنائم أعطيات كبيرة للمؤلفة قلوبهم من أهل مكة وبعض زعماء الأعراب، فوجد الأنصار في أنفسهم شيئًا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يعطهم، وظنوا أنه قسّمه في قومه، فجمعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في مكان وخاطبهم قائلًا: ) يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، لله ولرسوله المن والفضل! ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.
قال - صلى الله عليه وسلم-: (أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقكم: أتيتنا مُكَذِّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك) .
أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا.
يقول صاحب كتاب فن القيادة: » يوحي الهدوء بأن صاحبه ذو إرادة لا تتحول عن هدفها وتسبب نظرة الرئيس الهادئة العميقة شعورًا من القلق لدى المشاغبين ومثيري المشاكل من المرؤوسين، وإحساسًا غريزيًا بأنهم أمام قوة لا تقهر«. (1)