وكان ابن مسعود يُذكِّر كل خميس فقال رجل من القوم لوددت- يا أبا عبد الرحمن - لو أنك ذكرتنا كل يوم. فرد عليه هذا الكنيف الذي قد مليء علمًا:"أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي، صلى الله عليه وسلميتخولنا بها مخافة السآمة علينا".
يعلق على هذا الحافظ ابن حجر في الفتح مستنبطًا مستخلصًا بقوله: وفي هذا استحباب ترك المداومة في الجد في العمل الصالح خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة، لكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكلف، وإما يومًا بعد يوم فيكون الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط، وإما يوم الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط الحاجة مع وجود النشاط.
والرفق ذو ميادين فسيحة ومجالات عريضة فرفق مع الجهال: إما جهل علم، أو جهل تحضر، ولقد رفق النبي، صلى الله عليه وسلمبالأعرابي الذي بال في المسجد وتركه حتى فرغ من بوله وأمر أصحابه بالكف عنه وألا يقطعوا عليه بوله، فلما فرغ دعاه النبي، صلى الله عليه وسلموأخبره أن المساجد لم تبنَ لهذا وإنما هي لذكر الله والصلاة.
وجلفٌ أعرابي آخر جذب برداء النبي، صلى الله عليه وسلم، جذبة شديدة وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية فأثر في صفحة عنق النبي، صلى الله عليه وسلمثم { قال الأعرابي: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت نبي الرفق والرحمة ضاحكًا ثم أمر له بعطاء } (1) . بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلمما كهر ولا نهر ولا تبرم ولا ضجر.
(1) البخاري اللباس (5472) ، مسلم الزكاة (1057) ، أحمد (3/224) .