فهرس الكتاب
"صفحة رقم 205"
المعاوضة ، وقالوا: لما كانوا ذوي عقول متمكنين من النظر الصحيح المؤدي إلى معرفة الصواب من الخطأ ، استبدلوا بهذا الاستعداد النفيس اتباع الهوى والتقليد للآباء ، مع قيام الدليل الواضح ، فتحققت المعاوضة . قالوا: وإن كان أراد بالآية أهل الكتاب ، كما قال قتادة ، فقد كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر ، ومصدقين ببعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ومستفتحين به ، ويدعون بحرمته ، ويهددون الكفار بخروجه ، فكانوا مؤمنين حقًا . فلما بعث ( صلى الله عليه وسلم ) ) وهاجر إلى المدينة ، خافوا على رئاستهم ومآكلهم وانصراف الاتباع عنهم ، فجحدوا نبوته وقالوا: ليس هذا المذكور عندنا ، وغيروا صفته ، واستبدلوا بذلك الإيمان الكفر الذي حصل لهم ، فتحققت المعاوضة . قالوا: وإن كان أراد سائر الكفار ، كما قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، فالمعاوضة أيضًا متحققة ، إما بالمدة التي كانوا عليها على الفطرة ثم كفروا ، أو لأن الكفار كان في محصولهم المدارك الثلاثة: الحسي والنظري والسمعي ، وهذه التي تفيد العلم القطعي ، فاستبدلوا بها الجري على سنن الآباء في الكفر . وقال ابن كيسان: خلقهم لطاعته ، فاستبدلوا عن هذه الخلقة المرضية كفرهم وضعف قوله ، لأنه تعالى لو برأهم لطاعته ، لما كفر أحد منهم لاستحالة أن يخلق شيئًا لشيء ويتخلف عن ذلك الشيء . وسيأتي الكلام على قوله تعالى: ) إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( ، وعلى ولذلك خلقهم إن شاء الله .
قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي: الضلالة: الكفر ، والهدى: الإيمان ، وقبل الشك واليقين ، وقيل الجهل والعلم ، وقيل الفرقة والجماعة ، وقيل الدنيا والآخرة ، وقيل النار والجنة . وعطف: فما ربحت ، بالفاء ، يدل على تعقب نقي الربح للشراء ، وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح . وزعم بعض الناس أن الفاء في قوله: )فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ( دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء والتقديران اشتروا . والذين إذا كان في صلة فعل ، كان في معنى الشرط ، ومثله ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ( ، وقع الجواب بالفاء في قوله: ) فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ( ، وكذلك الذي يدخل الدار فله درهم ، انتهى . وهذا خطأ لأن الذين ليس مبتدأ ، فيشبه بالشرط الذي يكون مبتدأ ، فتدخل الفاء في خبره ، كما ندخل في جواب الشرط . وأما الذين خبر عن أولئك ، وقوله: فما ربحت ليس بخبر ، فتدخله الفاء ، وإنما هي جملة فعليه معطوفة على صلة الذين ، فهي صلة لأن المعطوف على الصلة صلة ، وقوله وقع الجواب بالفاء في قوله: ) فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ( خطأ ، لأنه ليس بجواب ، إنما الجملة خبر المبتدأ الذي هو ينفقون ، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ ، والذين اشتروا مبتدأ ، وفما ربحت تجارتهم خبر عن الذين ، والذين وخبره خبر عن أولئك لعدم الرابط في هذه الجملة الواقعة خبرًا لأولئك . ولتحقق مضي الصلة ، وإذا كانت الصلة ماضية ، معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها المبتدأ ، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ ، والذين بدل منه ، وفما ربحت خبر لأن الخبر إنما تدخله الفاء لعموم الموصول ، ولإبدال الذين من أولئك ، صار الذين مخصوصًا لأنه بدل من مخصوص ، وخبر المخصوص لا تدخله الفاء ، ولأن معنى الآية ليس إلا على كون أولئك مبتدأ والذين خبرًا عنه . ونسبة الريح إلى التجارة من باب المجاز لأن الذي يربح أو يخسر إنما هو التاجر لا التجارة ، ولما صور الضلالة والهدى مشترى وثمنًا ، رشح هذا المجاز البديع بقوله تعالى: ) فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ( ، وهذا من باب ترشيح المجاز ، وهو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة ، ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة ، فينضاف مجازًا إلى مجاز ، ومن ذلك قول الشاعر: بكى الخز من روح وأنكر جلده
وعجت عجيجًا من جذام المطارف
أقام الخز مقام شخص حين باشر روحًا بكى من عدم ملامته ، ثم رشحه بقوله: وأنكر جلده ، ثم زاد في ترشيح المجاز بقوله: وعجب ، أي وصاحت مطارف الخز من قبيل روح هذا ، وهي: جذام . ومعنى البيت: أن روحًا وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارقه ، لأنهم لا عادة لهم بذلك ، فكنى عن التباين بينهما بما كنى فيه في البيت ، ومن ذلك قول الشافعي ، رضي الله عنه: