فهرس الكتاب
"صفحة رقم 216"
ثبت أنه لم يحول عنه . قال ابن عباس: والظلمات هنا العذاب ، وقال مجاهد: ظلمة الكفر ، وقال قتادة: ظلمة يلقيها الله عليهم بعد الموت ، وقال السدّي: ظلمة النفاق ، ولم يذكر مفعول لا يبصرون ، ولا ينبغي أن ينوي ، لأن المقصود نفي الإبصار عنهم لا بالنسبة إلى متعلقه .
قرأ الجمهور: ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ( ، بالرفع وهو على إضمار مبتدأ تقديره هم صم ، وهي أخبار متباينة في اللفظ والدلالة الوضعية ، لكنها في موضع خبر واحد ، إذ يؤول معناها كلها إلى عدم قبولهم الحق وهم سمعاء الآذان ، فصح الألسن ، بصراء الأعين ، لكنهم لم يصيخوا إلى الحق ولا نطقت به ألسنتهم ، ولا تلمحوا أنوار الهداية ، وصفوا بما وصفوا من الصمم والبكم والعمى ، وقد سمع عن العرب لهذا نظائر ، أنشد الزمخشري من ذلك أياتًا ، وأنشد غيره: أعمى إذا ما جارتي برزت
حتى يواري جارتي الخدر
وأصم عما كان بينهما
أذني وما في سمعها وقر
وهذا من التشبيه البليغ عند المحققين ، وليس من باب الاستعارة ، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون . والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوًا عنه ، صالحًا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، كقول زهير: لدي أسد شاكي السلاح مقذف
له لبد أظفاره لم تقلم
وحذف المبتدأ هناك لذكره ، فلا يقال: إنه من باب الاستعارة ، إذ هو كقول زهير: أسد علي وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
والإخبار عنهم بالصمم والبكم والعمى هو كما ذكرناه من باب المجاز ، وذلك لعدم قبولهم الحق . وقيل: وصفهم الله بذلك لأنهم كانوا يتعاطون التصامم والتباكم والنعامي من غير أن يكونوا متصفين بشيء من ذلك ، فنبه على سوء اعتمادهم وفساد اعتقادهم . والعرب إذا سمعت ما لا تحب ، أو رأت ما لا يعجب ، طرحوا ذلك كأنهم ما سمعوه ولا رأوه . قال تعالى: )كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا ( ، وقالوا: ) قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ ( الآية . قيل: ويجوز أن يكون أريد بذلك المبالغة في ذمهم ، وأنهم من الجهل والبلادة أسوأ حالًا من البهائم وأشبه حالًا من الجمادات التي لا تسمع ولا تتكلم ولا تبصر . فمن عدم هذه المدارك الثلاثة كان من الذم في الرتبة القصوى ، ولذلك لما أراد إبراهيم ،