فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 4224

"صفحة رقم 223"

السماء رعدًا وبرقت برقًا ، روعي حكم أصلهما وإن كان المعنى على الجمع ، كما قالوا: رجل خصم ، ونكرت ظلمات ورعد وبرق ، لأن المقصود ليس العموم ، إنما المقصود اشتمال الصيب على ظلمات ورعد وبرق .

والضمير في يجعلون عائد على المضاف المحذوف للعلم به ، لأنه إذا حذف ، فتارة يلتفت إليه حتى كأنه ملفوظ به فتعود الضمائر عليه كحاله مذكورًا ، وتارة يطرح فيعود الضمير الذي قام مقامه . فمن الأول هذه الآية وقوله تعالى: ) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ ( ، التقدير ، أو كذي ظلمات ، ولذلك عاد الضمير المنصوب عليه في قوله: يغشاه . ومما اجتمع فيه الالتفات والاطراح قوله تعالى: ) وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ( المعنى من أهل قرية فقال: فجاءها ، فأطرح المحذوف وقال: أو هم ، فالتفت إلى المحذوف . والجملة من قوله: يجعلون لا موضع لها من الإعراب ، لأنها جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد ؟ فقيل: يجعلون ، وقيل: الجملة لها موضع من الإعراب وهو الجر لأنها في موضع الصفة لذوي المحذوف ، كأنه قيل: جاعلين ، وأجاز بعضهم أن تكون في موضع نصب على الحال من الضمير الذي هو الهاء في فيه . والراجع على ذي الحال محذوف ثابت الألف واللام عنه التقدير من صواعقه .

وأراد بالأصابع بعضها ، لأن الأصبع كلها لا تجعل في الأذن ، إنما تجعل في الأنملة ، لكن هذا من الاتساع ، وهو إطلاق كل على بعض ، ولأن هؤلاء لفرط ما يهولهم من إزعاج الصواعق كأنهم لا يكتفون بالأنملة ، بل لو أمكنهم السد بالأصبع كلها لفعلوا ، وعدل عن الإسم الخاص لما يوضع في الأذن إلى الاسم العام ، وهو الأصبع ، لما في ترك لفظ السبابة من حسن أدب القرآن ، وكون الكنايات فيه تكون بأحسن لفظ ، لذلك ما عدل عن لفظ السبابة إلى المسبحة والمهللة وغيرها من الألفاظ المستحسنة ، ولم تأت بلفظ المسبحة ونحوها لأنها ألفاظ مستحدثة ، لم يتعارفها الناس في ذلك العهد ، وإنما أحدثت بعد .

وقرأ الحسن: من الصواقع ، وقد تقدم أنها لغة تميم ، وأخبرنا أنها ليست من المقلوب ، والجعل هنا بمعنى الإلقاء والوضع كأنه قال: يضعون أصابعهم ، ومن تتعلق بقوله يجعلون ، وهي سببية ، أي من أجل الصواعق وحذر الموت مفعول من أجله ، وشروط المفعول من أجله موجودة فيه ، إذ هو مصدر متحد بالعامل فاعلًا وزمانًا ، هكذا أعربوه ، وفيه نظر لأن قوله: من الصواعق هو في المعنى مفعول من أجله ، ولو كان معطوفًا لجاز ، كقول الله تعالى: )ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ ( وتثبيتًا من أنفسهم ، وقول الراجز: يركب كل عاقر جمهور

مخافة وزعل المحبور

والهول من تهول الهبور

وقالوا أيضًا: يجوز أن يكون مصدرًا ، أي يحذرون حذر الموت ، وهو مضاف للمفعول . وقرأ قتادة ، والضحاك بن مزاحم ، وابن أبي ليلى: حذار الموت ، وهو مصدر حاذر ، قالوا وانتصابه على أنه مفعول له .

الإحاطة هنا: كناية عن كونه تعالى لا يفوتونه ، كما لا يفوت المحاط المحيط به ، فقيل: العلم وقيل: بالقدرة ، وقيل: بالإهلاك . وهذه الجملة اعتراضية لأنها دخلت بين هاتين الجملتين اللتين هما: يجعلون أصابعهم ، ( يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ( ، وهما من قصة واحدة . وقد تقدم لنا أن هذا التمثيل من التمثيلات المركبة ، وهو الذي تشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور ، وإن لم يكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى ، فيكون المقصود تشبيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت