"صفحة رقم 153"
جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين
وإذا أتاك فلات حين مناص
رد على أحمد بن يحيى ثعلب إذ زعم أن الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ لا تكون قسمية .
( ثَوَابًا مّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ( انتصب ثوابًا على المصدر المؤكد ، وإن كان الثواب هو المثاب به ، كما كان العطاء هو المعطى . واستعمل في بعض المواضع بمعنى المصدر الذي هو الإعطاء ، فوضع ثوابًا موضع إثابة ، أو موضع تثويبًا ، لأنَّ ما قبله في معنى لأثيبنهم . ونظيره صنع الله ووعد الله . وجوّز أن يكون حالًا من جنات أي: مثابًا بها ، أو من ضمير المفعول في: ) وَلاَدْخِلَنَّهُمْ ( أي مثابين . وأن يكون بدلًا من جنات على تضمين ، ولأدخلنهم معنى: ولأعطينهم . وأن يكون مفعولًا بفعل محذوف يدل عليه المعنى أي: يعطيهم ثوابًا . وقيل: انتصب على التمييز . وقال الكسائي: هو منصوب على القطع ، ولا يتوجه لي معنى هذين القولين هنا .
ومعنى: من عند الله ، أي من جهة فضل الله ، وهو مختص به ، لا يثيبه غيره ، ولا يقدر عليه . كما تقول عندي ما تريد ، تريد اختصاصك به وتملكه ، وإن لم يكن بحضرتك . وأعربوا عنده حسن الثواب مبتدأ ، وخبرًا في موضع خبر المبتدأ الأول . والأحسن أن يرتفع حسن على الفاعلية ، إذ قد اعتمد الظرف بوقوعه خبرًا فالتقدير: والله مستقر ، أو استقرّ عنده حسن الثواب . قال الزمخشريّ: وهذا تعليم من الله كيف يدعى ، وكيف يبتهل إليه ويتضرّع ، وتكرير ربنا من باب الابتهال ، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة من احتمال المشاق في دين الله والصبر على صعوبة تكاليفة ، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه ، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولًا إليه بالعمل بالجهل والغباوة انتهى . وآخر كلامه إشارة إلى مذهبه المعتزلة وطعن على أهل السنة والجماعة .
آل عمران: ( 196 ) لا يغرنك تقلب . . . . .
( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَادِ ( قيل: نزلت في اليهود كانوا يضربون في الأرض فيصيبون الأموال قاله: ابن عباس . وقال أيضًا: هم أهل مكة . وروي أنَّ ناسًا من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش ، فيقولون: إنّ أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد . وقال مقاتل: في مشركي العرب والذين كفروا لفظ عام ، والكاف للخطاب . فقيل: لكل سامع . وقيل: هو خطاب للنبي( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والمراد أمته . قاله: ابن عطية . وقال: نزلت لا يغرنك في هذه الآية منزلة لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك ، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به . فالكفار مغترون بتقلبهم ، والمؤمنون مهتمون به . لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أنَّ هذا الإملاء للكفار إنما هو خير لهم ، فيجيء هذا جنوحًا إلى حالهم ، ونوعًا من الاغترار ، ولذلك حسنت لا يغرنك . ونظيره قول عمر لحفصة: ( لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ) المعنى: لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) انتهى . وقال الزمخشري: لا يغرنك الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أو لكل أحد . أي: لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ، والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا ، ولا نغترر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض وتصرفهم في البلاد . ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يغتر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بذلك حتى ينهى عنه وعن الاغترار به ؟ ( قلت ) : فيه وجهان: أحدهما أن مدرة القوم ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعًا ، فكأنه قيل: لا يغرنكم . والثاني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) كان غير مغرور بحالهم ، فأكد عليه ما كان وثبت على التزامه كقوله: ) وَلاَ تَكُنْ مّنَ الْكَافِرِينَ ( ) وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ ( ) فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذّبِينَ ( وهذا في النهي