فهرس الكتاب
"صفحة رقم 270"
قال أبو عبيدة والفراء: الصعيد التراب . وقال الليث: الصعيد الأرض المستوية لا شيء فيها من غراس ونبات ، وهو قول قتادة ، قال: الصعيد الأرض الملساء . وقال الخليل: الصعيد ما صعد من وجه الأض ، يريد وجه الأرض . وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره ، وإن كان صخرًا لا تراب عليه زاد غيره: أو رملًا ، أو معدنًا ، أو سبخة . والطيب الطاهر وهذا تفسير طائفة ، ومذهب أبي حنيفة ومالك واختيار الطبري . ومنه ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيّبِينَ ( أي طاهرين من أدناس المخالفات . وقال قوم: الطيب هنا الحلال ، قاله سفيان الثوري وغيره . وقال الشافعي وجماعة: الطيب المنبت ، وقاله ابن عباس لقوله تعالى: ) وَالْبَلَدُ الطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ ( فالصعيد على هذا التراب . وهؤلاء يجيزون التيمم بغير ذلك ، فمحل الإجماع هو أن يتيمم بتراب منبت طاهر غير منقول ولا مغصوب . ومحل المنع إجماعًا هو: أن يتيمم على ذهب صرف ، أو فضة ، أو ياقوت ، أو زمرد ، وأطعمة كخبز ولحم ، أو على نجاسة ، واختلف في المعادن: فأجيز ، وهو مذهب مالك ، ومنع وهو مذهب الشافعي . وفي الملح ، وفي الثلج ، وفي التراب المنقول ، وفي المطبوخ كالآجر ، وعلى الجدار ، وعلى النبات ، والعود ، والشجر خلاف . وأجاز الثوري وأحمد بغبار اليد . وقال أحمد وأبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل ، والجمهور على إجازته بالسباخ ، إلا ابن راهويه . وأجاز ابن علية وابن كيسان التيمم بالمسك والزعفران .
وظاهر الكلام: أنّ التيمم مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب ، فمتى حصلت هذه الكيفية حصل التيمم . والعطف بالواو لا يقتضي ترتيبًا بين الوجه واليدين والباء في بوجوهكم مما يعدى بها الفعل تارة ، وتارة بنفسه . حكى سيبويه: مسحت رأسه وبرأسه ، وخشنت صدره وبصدره على معنى واحد . وظاهر مسح الوجه التعميم ، فيمسحه جميعه كما يغسله بالماء جميعه . وأجاز بعضهم أن لا يتتبع الغضون . وأما اليدان فظاهر مسحهما تعميم مدلولهما ، وهي تنطلق لغة إلى المناكب ، وبه قال ابن شهاب ، قال: يمسح إلى الآباط ، وروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وفي سنن أبي داود: ( أنه عليه السلام مسح إلى انصاف ذراعيه ) قال ابن عطية: لم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت انتهى . وذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وابن أبي سلمة والليث: أنه يمسح إلى بلوغ المرفقين فرضًا واجبًا ، وهو قول: جابر ، وابن عمر ، والحسن ، وابراهيم . وذهب طائفة إلى أنه يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان ، وهو: قول علي ، وعطاء ، والشعبي ، ومكحول ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود بن علي ، والطبري ، والشافعي في القديم ، وروي عن مالك . وذهب الشعبي إلى أنه يمسح كفيه فقط ، وبه قال بعض فقهاء الحديث ، وهو الذي ينبغي أن يذهب إليه لصحته في الحديث . ففي مسلم من حديث عمار ( إنما كان يكفيك أن يضرب بيدك الأرض ثم تنفخ وتمسح بها وجهك وكفيك ) وعنه في هذا الحديث: ( وضرب بيده الأرض فنفض يديه ، فمسح وجهه وكفيه ) وللبخاري: ( أدناهما من فيه ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه ) وفي مسلم أيضًا: ( أما يكفيك أن تقول بيدك هكذا ، ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه ) وعند أبي داود ( فضرب بيده الأرض فقبضها ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه ) . فهذه الأحاديث الصحيحة مبينة ما تطرق إليه الاحتمال في الآية من محل المسح وكيفيته .
وظاهر هذه الأحاديث الصحيحة وظاهر الآية يدل على الاجتزاء بضربة واحدة للوجه واليدين ، وهو قول: عطاء والشعبي في رواية ، والأوزاعي في الأشهر عنه ، وأحمد وإسحاق وداود والطبري . وذهب مالك في المدوّنة ، والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم ، والثوري ، والليث ، وابن أبي سلمة: إلى وجوب ضربتين ضربة للوجه ، وضربة لليدين ، وذهب ابن أبي ليلى والحسن إلى أنه ضربتان ، ويمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه ، ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم غيرهما . وأحكام التيمم ومسائله كثيرة مذكورة في كتب