فهرس الكتاب

الصفحة 1423 من 4224

"صفحة رقم 305"

موضع الجملة نصب على الحال كما تقول: مررت بزيد وكان لم يكن بينك وبينه معرفة ، فضلًا عن مودة . وقال أبو علي الفارسي: هذه الجملة من قول المنافقين الذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجوا هم ، كأن لم تكن بينكم وبينه أي: وبين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) مودة فيخرجكم معهم لتأخذوا من الغنيمة ، ليبغضوا بذلك الرسول إليهم . وتبع أبو علي في ذلك مقاتلًا . قال مقاتل: معناه كأنه ليس من أهل ملتكم ولا مودة بينكم ، يريد: أنّ المبطىء قال لمن تخلف عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين ، ومن تخلف بإذن كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم إلى الجهاد ، فتفوزون بما فاز . وقال أبو عبد الله الرازي: هو اعتراض في غاية الحسن ، لأن من أحب إنسانًا فرح عند فرحه ، وحزن عند حزنه ، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة . فنقول: حكى تعالى عن المنافق سروره وقت نكبة المسلمين ، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاتته الغنيمة ، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ألقى قوله: كأن لم يكن بينكم وبينه ، والمراد التعجب . كأنه يقول تعالى: انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق ، كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة أيها المؤمنون ولا مخالطة أصلًا ، فهذا هو المراد من الكلام .

وقال قتادة وابن جريج: قول المنافق: يا ليتني كنت معهم على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغبته .

وتلخص من هذه الأقوال أن هذه الجملة: إمّا أن يكون لها موضع من الإعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن ، أو نصب على المفعول بيقولن على الحكاية ، فيكون من جملة المقول ، وجملة المقول هو مجموع الجملتين: جملة التشبيه ، وجملة التمني . وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد ، وضمير الغيبة في وبينه للرسول . وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين ، وضمير الغيبة للقائل . وإمّا أن لا يكون لها موضع من الإعراب لكونها اعتراضًا في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخرت ، والنية بها التوسط بين الجملتين . أو لكونها اعتراضًا بين: ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني ، ولبس اعتراضًا يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة ، بل يتعلق بمضمون الجملتين ، والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين ، وفي بينه للقائل . واعترض به بين أثناء الحملة الأخيرة ، ولم يتأخر بعدها وإنْ كان من حيث المعنى متأخرًا إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين ، لأن معمول القول النية به التقديم ، لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة . ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة ، والتقدير: ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة ، إذ صدر منه قوله وقت المصيبة: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا . وقوله: وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم ، وهذا قول من لم تسبق منه مودة لكم .

وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدّون من المنح إلا أغراض الدنيا ، يفرحون بما ينالون منها ، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها كقوله تعالى: ) فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ( الآية . وتضمنت هذه الجملة أنواعًا من الفصاحة والبديع: دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله: إن كنتم تؤمنون . والإشارة في ذلك: خير أولئك الذين يعلم الله ، فأولئك مع الذين ، وحسن أولئك رفيقًا ، ذلك الفضل من الله . والاستفهام المراد به التعجب في: ألم تر إلى الذين يزعمون . والتجنيس المغاير في: أن يضلهم ضلالًا ، وفي: أصابتهم مصيبة ، وفي: وقل لهم في أنفسهم قولًا ، وفي: يصدّون عنك صدودًا ، وفي: ويسلموا تسليمًا ، وفي: فإنْ أصابتكم مصيبة ، وفي: فأفوز فوزًا عظيمًا . والاستعارة في: فإن تنازعتم ، أصل المنازعة الجذب باليد ، ثم استعير للتنازع في الكلام . وفي: ضلالًا بعيدًا استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب لدوام القلوب عليها ، وفي: فيما شجر بينهم استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض استعارة المحسوس للمعقول وفي: أنفسهم حرجًا أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس للمناسبة التي بينهما وهو من الضيق والتتميم ، وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكنًا وبيانًا للمعنى المراد وهو في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت