فهرس الكتاب
"صفحة رقم 318"
ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلامًا طويلًا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ، إما في الوصف واللفظ ، وإما في المعنى بتناقض أخبار ، أو الوقوع على خلاف المخبر به ، أو اشتماله على ما لا يلتئم ، أو كونه يمكن معارضته . والقرآن العظيم ليس فيه شيء من ذلك ، لأنه كلام المحيط بكل شيء مناسب بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء ، وتظافر صدق أخبار ، وصحة معان ، فلا يقدر عليه إلا العالم بما لا يعلمه أحد سواه .
قال ابن عطية: فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافًا فالواجب أن يتهم نظره ، ويسأل من هو أعلم منه . وما ذهب إليه بعض الزنادقة المعاندين من أنّ فيه أحكامًا مختلفة وألفاظًا غير مؤتلفة فقد أبطل مقالتهم علماء الإسلام ، وما جاء في القرآن من اختلاف في تفسير وتأويل وقراءة وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وعام وخاص ومطلق ومقيد فليس هو المقصود في الآية ، بل هذه من علوم القرآن الدالة على اتساع معانيه ، وأحكام مبانيه . وذهب الزجاج إلى أنَّ الضمير في فيه عائد على ما يخبره به الله تعالى مما يبيتون ويسرون ، والمعنى: أنّك تخبرهم به على حد ما يقع ، وذلك دليل على أنه من عند الله غيب من الغيوب . وفي ذكر تدبر القرآن ردّ على من قال من الرافضة: إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) .
النساء: ( 83 ) وإذا جاءهم أمر . . . . .
( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الاْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ( روى مسلم من حديث ابن عباس عن عمر: ( أنّ رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) لما اعتزل نساءه ، فدخل عمر المسجد فسمع الناس يقولون: طلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) نساءه ، فدخل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فسأله: أطلقت نساءك ؟ قال: لا . فخرج فنادى: ألا إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) لم يطلق نساءه ، فنزلت ) . وكان هو الذي استنبط الأمر ، وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن الرسول كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت ، أو غلبت ، تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به ، فنزلت . والضمير في: جاءهم على المنافقين ، قاله ابن عباس والجمهور . أو على ناس من ضعفة المؤمنين قاله: الحسن والزجاج . ولم يذكر الزمخشري غيره أو عليهما نقله ابن عطية ، أو على اليهود قاله بعضهم . والأمر من الأمن أو الخوف فوز السرية بالظفر والغنيمة ، أو الخيبة والنكبة ، فيبادرون بإفشائه قبل أن يخبر الرسول بذلك . أو ما كان ينزل من الوحي بالوعظ بالظفر ، أو بتخفيف من جهة الكفار ، كان يسر النبي عليه السلام ذلك إليهم فيفشونه ، وكان في ذلك مضرّة على المسلمين ، أو ما يعزم عليه النبي من الوداعة والأمان لقوم ، والخوف الخبر يأتي أنّ قومًا يجمعون للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فيخاف المسلمون منهم قاله: الزجاج ، والماوردي ، وأبو سليمان الدمشقي . وقال ابن عطية: المعنى أنّ المنافقين كانوا يشرئبون إلى سماع ما يسوء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) في سراياه ، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين ، أو فتح عليهم ، حقروها وصغروا شأنها انتهى . والضمير في به عائد على الأمر ، قيل: ويجوز أن يعود على الأمن أو الخوف ، ووحد الضمير لأن ، أو تقتضي أحدهما .
( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ( أي: ولو ردُّوا الأمرالذي بلغهم إلى الرسول وأولي الأمر وهم: الخلفاء الأربعة ومن يجري على سننهم ، قاله: ابن عباس ، أو أبو بكر ، وعمر خاصة ، قاله: عكرمة . أو أمراء السرايا قاله: السدي ، ومقاتل ، وابن زيد . أو العلماء من الصحابة قاله: الحسن ، وقتادة ، وابن جريج . والمعنى: لو أمسكوا عن الخوض فيما بلغهم ، واستقصوا الأمر من الرسول وأولي الأمر ، لعلم حقيقة ذلك الأمر الوارد من له