فهرس الكتاب
"صفحة رقم 344"
ّ قوله: فمنّ الله عليكم ، هو من تمام كذلك كنتم من قبل . وقيل: من تمام تبتغون عرض الحياة الدنيا وما قبله ، فالمعنى: منَّ عليكم بأنْ قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر قاله: أبو عبد الله الرازي ، فتبينوا: تقدّم أنه قرىء فتثبتوا ، ويحتمل أن يكون هذا تأكيدًا للأول ، ويحتمل أن يكون فتبينوا في قراءة من جعله من التبين ، أن لا يكون تأكيد الاختلاف متعلق التبين . فالمعنى في الأول: فتبينوا أمر من تقدمون على قتله ، وفي الثاني: فتبينوا نعمة الله عليكم بالإسلام .
( إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( أي خبيرًا بنياتكم وطلباتكم ، فكونوا محتاطين فيما تقصدونه ، متوخين أمرالله تعالى . وهذا فيه تحذير ، فاحفظوا أنفسكم من موارد الزلل . وقرأ الجمهور: إنَّ بكسر الهمزة على الاستئناف ، وقرىء بفتحها على أن تكون معمولة لقوله: ) فَتَبَيَّنُواْ ).
النساء: ( 95 ) لا يستوي القاعدون . . . . .
( لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ( قال أبو سليمان الدمشقي: نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . وأما غير أولي الضرر فسببها قول ابن أم مكتوم: كيف من لا يستطيع الجهاد ؟ .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما رغب المؤمنين في القتال في سبيل الله أعداء الله الكفار ، واستطرد من ذلك إلى قتل المؤمن خطأ وعمدًا بغير تأويل وبتأويل ، فنهى أن يقدم على قتله بتأويل أمر يحمله على الإسلام إذا كان ظاهره يدل على ذلك ، ذكر بيان فضل المجاهد على القاعد ، وبيان تفاوتهما ، وأن ذلك لا يمنع منه كون الجهاد ، مظنة أن يصيب المجاهد مؤمنًا خطأ ، أو من يلقي السلم فيقتله بتأويل فيتقاعسن عن الجهاد لهذه الشبهة ، فأتى عقيب ذلك بفضل الجهاد وفوزه بما ذكر في الآية من الدرجات والمغفرة والرحمة والأجر العظيم ، دفعًا لهذه الشبهة .
ويستوي هنا من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد ، وإثباته لا يدل على عموم المساواة ، وكذلك نفيه . وإنما عنى نفي المساواة في الفضل ، وفي ذلك إبهام على السامع ، وهو أبلغ من تحرير المنزلة التي بين القاعد والمجاهد . فالمتأمل يبقي مع فكره ، ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما ، والقاعد هو المتخلف عن الجهاد ، وعبر عن ذلك بالقعود ، لأن القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب . وأولو الضرر هم من لا يقدر على الجهاد لعمى ، أو مرض ، أو عرج ، أو فقد أهبة . والمعنى: لا يستوي القاعدون القادرون على الغزو والمجاهدون . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة: غير برفع الراء . ونافع ، وابن عامر ، والكسائي: بالنصب ، ورويا عن عاصم . وقرأ الأعمش وأبو حيوة: بكسرها . فأما قراءة الرفع فوجهها الأكثرون على الصفة ، وهو قول سيبويه ، كما هي عنده صفة في ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ( ومثله قول لبيد: وإذا جوزيت قرضًا فاجزه
إنما يجزي الفتى غير الجمل
كذا ذكره أبو عليّ ، ويروى: ليس الجمل . وأجاز بعض النحويين فيه البدل . قيل: وهو إعراب ظاهر ، لأنه جاء بعد نفي ، وهو أولى من الصفة لوجهين: أحدهما: أنهم نصوا على أنَّ الأفصح في النفي البدل ، ثم النصب على الاستثناء