فهرس الكتاب

الصفحة 1550 من 4224

"صفحة رقم 431"

الآية من جعلهم غير محلى الصيد حالًا من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلل لهم ، أو من المحلل وهو الله تعالى ، أو من المتلو عليهم . وغرّهم في ذلك كونه كتب محلى بالياء ، وقدّره هم أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة . وأصله: غير محلين الصيد وأنتم حرم ، إلا في قول من جعله حالًا من الفاعل المحذوف ، فلا يقدر فيه حذف النون ، بل حذف التنوين . وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله: محلى الصيد ، من باب قولهم: حسان النساء . والمعنى: النساء الحسان ، وكذلك هذا أصله غير الصيد المحل . والمحل صفة للصيد لا للناس ، ولا للفاعل المحذوف . ووصف الصيد بأنه محل على وجهين: أحدهما: أنْ يكون معناه دخل في الحل كما تقول: أحل الرّجل أي: دخل في الحل ، وأحرم دخل في الحرم . والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حل ، أي حلالًا بتحليل الله . وذلك أن الصيد على قسمين: حلال ، وحرام . ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال . ألا ترى إلى قول بعضهم: إنه ليصيد الأرانب حتى الثعالب لكنه يختص به شرعًا ؟ وقد تجوزت العرب فأطلقت الصيد على ما يوصف بحل ولا حرمة نحو قوله: ليث بعثر يصطاد الرجال إذا

ما كذب الليث عن أقرانه صدقا

وقال آخر: وقد ذهبت سلمى بعقلك كله

فهل غير صيد أحرزته حبائله

وقال آخر: وميّ تصيد قلوب الرّجال

وأفلت منها ابن عمر وحجر

ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب . فمن مجيء أفعل لبلوغ المكان ودخوله قولهم: أحرم الرّجل ، وأعرق ، وأشأم ، وأيمن ، وأتهم ، وأنجد إذا بلغ هذه المواضع وحل بها . ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم: أعشبت الأرض ، وأبقلت ، وأغد البعير ، وألبنت الشاة ، وغيرها ، وأجرت الكلبة ، وأصرم النخل ، وأتلت الناقة ، وأحصد الزرع ، وأجرب الرّجل ، وأنجبت المرأة . وإذا تقرر أنّ الصيد يوصف بكونه محلًا باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحلّ ، أو صار ذا حل ، اتضح كونه استثناء من استثناء ، إذ لا يمكن ذلك لتناقص الحكم . لأنّ المستثنى من المحلل محرم ، والمستثنى من المحرم محلل . بل إن كان المعنى بقوله: بهيمة الأنعام ، الأنعام أنفسها ، فيكون استثناء منقطًا . وإن كان المراد الظباء وبقر الوحش وحمره ونحوها ، فيكون استثناء متصلًا على أحد تفسيري المحل ، استثنى الصيد الذي بلغ الحل في حل كونهم محرمين . ( فإن قلت ) : ما فائدة الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضًا ؟ ( قلت ) : الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم ، وإنما يحل لغير المحرم الصيد الذي في الحل ، فنبه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحل يحرم على المحرم ، وإن كان حلالًا لغيره ، فأحرى أن يحرم عليه الصيد الذي هو بالحرم . وعلى هذا التفسير يكون قوله: إلا ما يتلى عليكم ، إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله: حرمت عليكم الميتة الآية ، استثناء منقطعًا ، إذ لا يختص الميتة وما ذكر معها بالظباء وحمر الوحش وبقره ونحوها ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت