فهرس الكتاب
"صفحة رقم 478"
بذلك كافرًا لأن من استحل ما حرم الله فقد كفر ، والكافر يريد أن يراد به الشر ، وقيل: المعنى: إنه لما قال: ) لقتلنك ( استوجب النار بما تقدم في علم الله ، وعلى المؤمن أن يريد ما أراد الله ، وظاهر الآية أنهما آثمان ، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة: تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، فحذف المضاف هذا قول عامة المفسرين ، وقال الزجاج: إثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ، وهو راجع في المعنى إلى ما قبله ، وقيل: المعنى بإثمي ، أن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي ، وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قوله -( صلى الله عليه وسلم ) - ' إذا التقى المسلمان بسيفهما ، فالقاتل والمقتول في النار ، قيل: يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ' فكان هابيل أراد: إني لسن بحريص على قتلك ، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصًا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي ، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يحتمل إثم قتله له ) ولا تزر وازرة وزر أخرى ( قلت: المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام ، كما تقول: قرأت قراءة فلان ، وكتبت كتابته ، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض ، لا يكاد يستعمل غيره فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه ، واستسلم وتحرج عما كان محظورًا في شريعته من الدفع ، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله ، فيجتمع عليه الإثمان قلت: هو مقدر ، فهو يحتمل مثل الإثم المقدر ، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي انتهى ، وقيل: بإثمي الذي يختص بي ، فيما فرط لي أي: يؤخذ من سيئآتي ، فتطرح عليك بسبب ظلمك لي ) وتبوء بإثمك ( في قتلي ، ويعضد هذا قول النبي -( صلى الله عليه وسلم ) - ' يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة ، فيؤخذ من حسنات الظالم ، فيزاد في حسنات المظلوم ، حتى ينتصف ، ( بإثمي( اللاحق لي ، أي: بمثل إثمي اللاحق لي ، على تقدير وقوع قتلي لك ، وإثمك اللاحق لك بسبب قتلي ، الثاني ) بإثمي ( اللاحق لك بسبب قتلي ، وإضافة إليه لما كان سببًا له ) وإثمك ( اللاحق لم بسبب قتلي ، الوجهان على إثبات الإرادة المجازية والحقيقية ، وقيل: المعنى على النفي التقدير: إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك ، كقوله ) رواسي أن تميد بكم ( لقمان [ 10 ] أي: لا تميدوا ) أن تضلوا ( النساء [ 176 ] أي: لا تضلوا ، فحذف لا ، وهذا التأويل فرار من إثبات إرادة الشر لأخيه المؤمن ، وضعف القرطبي هذا الوجه ، بقوله -( صلى الله عليه وسلم ) - ' لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول من سن القتل ' ، فثبت بهذا أن إثم القاتل حاصل انتهى ، ولا يضعف هذا القول بما ذكره القرطبي ، لأن قائل هذا لا يلزم من نفي إرادته القتل أن لا يقع القتل ، بل قد لا يريده ويقع ونصر تأويل النفي الماوري ، وقال: إن القتل قبيح ، وإرادة القبيح قبيحة ، ومن الأنبياء أقبح ، ويؤيد هذا التأويل قراءة من قرأ ) إني أريد ( أي: كيف أريد ، ومعناه استبعاد الإرادة ولهذا قال بعض المفسرين ، إن هذا استفهام على جهة الإنكار ، أي: إني فحذف الهمزة لدلالة المعنى عليه ، لأن إرادة القتل معصية حكاه القشيري انتهى ، وهذا كله خروج عن ظاهر اللفظ لغير ضرورة ، وقد تقدم إيضاح الإرادة ، وجواز ورودها هنا ، واستدل بقوله ) فتكون من أصحاب النار ( على أن قابيل كان كافرًا ، لأن هذا اللفظ إنما ورد في القرآن في الكفار ، وعلى هذا القول ، ففيه دليل على أن الكفار