فهرس الكتاب

الصفحة 1652 من 4224

"صفحة رقم 533"

حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه ، وكان المعنى في ذلك: أن مواقع المعصية معها الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها ، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره ، فإذا أفرط في الإنكار كان أشد حالًا من المواقع ، وظهر بذلك الفرق بين ذمِّ متعاطي الذنب ، وبين تارك النهي عنه ، حيث جعل ذلك عملًا وهذا صناعة . وقد يقال: أنه غاير في ذلك لتفنن الفصاحة ، ولترك تكرار اللفظ . وفي الحديث: ) مَّا مِن رَجُلٌ ( وأوحى إلى يوشع بهلاك أربعين ألفًا من خيار قومه ، وستين ألفًا من شرارهم فقال: يا رب ما بال الأخيار ؟ فقال: إنهم لم يغضبوا الغضبى ، وواكلوهم وشاربوهم . وقال مالك بن دينار: أوحى الله إلى الملائكة أن عذبوا قرية كذا ، فقالت الملائكة: إنّ فيها عبدك العابد فقال: أسمعوني ضجيجه ، فإنه لم يتمعر وجهه أي: لم يحمرّ غضبًا . وكتب بعض العلماء إلى عابد تزهد وانقطع في البادية: إنك تركت المدينة مهاجر رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ومهبط وحيه وآثرت البداوة . فقال: كيف لا أترك مكانًا أنت رئيسه ، وما رأيت وجهك تمعر في ذات الله قط يومًا أو كلامًا هذا معناه أو قريب من معناه . وأما زماننا هذا وعلماؤنا وعبادنا فحالهم معروف فيه ، ولم نر في أعصارنا من يقارب السلف في ذلك غير رجل واحد وهو أستاذنا أبو جعفر بن الزبير ، فإن له مقامات في ذلك مع ملوك بلاده ورؤسائهم حمدت فيها آثاره ، ففي بعضها ضرب ونهبت أمواله وخربت دياره ، وفي بعضها أنجاه من الموت فراره ، وفي بعضها جعل السجن قراره .

المائدة: ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . .

( وقالت اليهود يد الله مغلولة ( نزلت في فنخاص قاله: ابن عباس . وقال مقاتل: فيه وفي ابن صوريا ، وعازر بن أبي عازر قالوا ذلك . ونسب ذلك إلى اليهود ، لأن هؤلاء علماؤهم وهم أتباعهم في ذلك . واليد في الجارحة حقيقة ، وفي غيرها مجاز ، فيراد بها النعمة تقول العرب: كم يدلي عند فلان ، والقوة والملك والقدرة . قل: إن الفضل بيد الله قال الشاعر:

وأنت على أعباء ملكك ذويد

أي ذو قدرة ، والتأييد والنصر يد الله مع القاضي حين يقضي ، والقاسم حين يقسم . وتأتي صلة ( مما عملت أيدينا أنعامًا ) أي مما عملنا ) أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ ( أي الذي له عقدة النكاح . وظاهر قول اليهود إن لله يدًا فإن كانوا أرادوا الجارحة فهو مناسب مذهبهم إذ هو التجسيم ، زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية ، قاعد على كرسي . وزعموا أنه فرغ من خلق السموات والأرض يوم الجمعة ، واستلقى على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى للاستراحة . وردّ الله تعالى ذلك بقوله: ) وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ ( ) وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ( وظاهر مساق الآية يدل على أنهم أرادوا بغلّ اليد وبسطها المجاز عن البخل والجود ، ومنه ) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ( ولا يقصد من يتكلم بهذا الكلام إثبات يد ولا غل ولا بسط ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازًا عنه ، كأنهما كلامان متعاقبان على حقيقة واحدة ، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ، ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها . وقال حبيب في المعتصم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت